السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
63
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ . وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ( الرعد / 19 ، 20 ، 21 ) . وكيف كان فالآية تشهد على أن من الضلال والعمى ما يلحق الإنسان عقيب أعماله السيئة غير الضلال والعمى الذي له في نفسه ومن نفسه حيث يقول تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ، فقد جعل إضلاله في تلو الفسق لا متقدما عليه هذا . ثم إن الهداية والإضلال كلمتان جامعتان لجميع أنواع الكرامة والخذلان التي ترد منه تعالى على عباده السعداء والأشقياء ، فإن اللّه تعالى وصف في كلامه حال السعداء من عباده بأنه يحييهم حيوة طيبة ، ويؤيدهم بروح الإيمان ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويجعل لهم نورا يمشون به ، وهو وليّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وهو معهم يستجيب لهم إذا دعوه ويذكرهم إذا ذكروه ، والملائكة تنزّل عليهم بالبشرى والسلام إلى غير ذلك . ووصف حال الأشقياء من عباده بأنه يضلهم ويخرجهم من النور إلى الظلمات ويختم على قلوبهم ، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ، ويطمس وجوههم على أدبارهم ويجعل في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ، ويجعل من بين أيديهم سدا من خلفهم سدا فيغشيهم فهم لا يبصرون ، ويقيّض لهم شياطين قرناء يضلونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ، ويزيّنون لهم أعمالهم ، وهم أوليائهم ، ويستدرجهم اللّه من حيث لا يشعرون ، ويملي لهم أن كيده متين ، ويمكر بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون . وقوله تعالى : إِلَّا الْفاسِقِينَ ، الفسق كما قيل من الألفاظ التي أبدع القرآن استعمالها في معناها المعروف ، مأخوذ من فسقت التمرة إذا خرجت عن قشرها وجلدها ولذلك فسر بعده بقوله تعالى : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ الآية ؛ والنقض إنما يكون عن إبرام ، ولذلك أيضا وصف الفاسقين في آخر الآية بالخاسرين والإنسان إنما يخسر فيما ملكه بوجه ، قال تعالى : إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ( الشورى / 45 ) ، وإياك أن تتلقى هذه الصفات التي أثبتها سبحانه في كتابه للسعداء من عباده أو