السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

789

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وشفيع يشفع لهم . ويظهر من الآيتين أولا : الاضلال والخدعة وكل سخط الهي من هذا القبيل إنما عن حجة واضحة تعطيها أعمال العباد ، فهي إخزاء على طريق المقابلة والمجازاة ، وحاشا الجناب الإلهي أن يبدأهم بالشر والشقوة من غير تقدّم ما يوجب ذلك من قبلهم ، فقوله « أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً » ؟ يجري مجرى قوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( البقرة / 26 ) . وثانيا : أن في النار لأهلها مراتب تختلف في السفالة ، ولا محالة يشتدّ بحسبها عذابهم يسميها اللّه تعالى بالدركات . قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ استثناء من الوعيد الذي ذكر في المنافقين بقوله « إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ » ( الآية ) ؛ ولازم ذلك خروجهم من جماعة المنافقين ، ولحوقهم بصف المؤمنين ، ولذلك ذيّل الاستثناء بذكر كونهم مع المؤمنين ، وذكر ثواب المؤمنين جميعا فقال تعالى « فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً » . وقد وصف اللّه هؤلاء الذين استثناهم من المنافقين بأوصاف عديدة ثقيلة ، وليست تنبت أصول النفاق وأعراقه إلا بها ، فذكر التوبة وهي الرجوع إلى اللّه تعالى ، ولا ينفع الرجوع والتوب وحده حتى يصلحوا كل ما فسد منهم من نفس وعمل ، ولا ينفع الإصلاح إلا أن يعتصموا باللّه أي يتبعوا كتابه وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذ لا سبيل إلى اللّه إلا ما عينه وما سوى ذلك فهو سبيل الشيطان . ولا ينفع الاعتصام المذكور إلا إذا أخلصوا دينهم - وهو الذي فيه الاعتصام - للّه ، فإن الشرك ظلم لا يعفى عنه ولا يغفر ، فإذا تابوا إلى اللّه وأصلحوا كل فاسد منهم واعتصموا باللّه وأخلصوا دينهم للّه كانوا عند ذلك مؤمنين لا يشوب إيمانهم شرك ، فأمنوا النفاق واهتدوا قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ