السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
766
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله تعالى : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ظاهر السياق أنه تعليل لقوله في الآية السابقة « فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً » وأي خسران أبين من خسران من يبدل السعادة الحقيقة وكمال الخلقة بالمواعيد الكاذبة والأماني الموهومة ، قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( النور / 39 ) . أما المواعيد فهي الوساوس الشيطانية بلا واسطة ، وأما الأماني فهي المتفرعة على وساوسه مما يستلذه الوهم من المتخيلات ، ولذلك قال « وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً » فعد الوعد غرورا دون التمنية على ما لا يخفى . ثم بيّن عاقبة حالهم بقوله « أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً » أي معدلا ومفر من « حاص » إذا عدل . ثم ذكر ما يقابل حالهم وهو حال المؤمنين تتميما للبيان فقال تعالى « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ » ( إلى آخر الآية ) وفي الآيات التفات من سياق التكلم مع الغير إلى الغيبة ، والوجه العام فيه الإيماء إلى جلالة المقام وعظمته بوضع لفظ الجلالة موضع ضمير المتكلم مع الغير فيما يحتاج إلى هذا الاشعار حتى إذا استوفى الغرض رجع إلى سابق السياق الذي كان هو الأصل ، وذلك في قوله « سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ » ، وفي ذلك نكتة أخرى ، وهي الإيماء إلى قرب الحضور وعدم احتجابه تعالى عن عبادة المؤمنين وهو وليهم . قوله تعالى : وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا فيه مقابلة لما ذكر في وعد الشيطان أنه ليس إلا غرورا فكان وعد اللّه حقا ، وقوله صدقا . قوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ عود إلى بدء الكلام وبمنزلة النتيجة المحصلة الملخصة من تفصيل الكلام ، وذلك أنه يتحصل من المحكي من أعمال بعض المؤمنين وأقوالهم ، وإلحاحهم على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يراعي جانبهم ، ويعاضدهم