السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

744

مختصر الميزان في تفسير القرآن

في قوله « فِيمَ كُنْتُمْ » ويمكن أن يكون أول الاستفهامين للتقرير كما هو ظاهر ما مر نقله من آيات سورة النحل لكون السؤال فيها عن الظالمين والمتقين جميعا ، وثاني الاستفهامين للتوبيخ على أي حال . وقد أضافت الملائكة إلى اللّه ، ولا يخلو من إيماء إلى أن اللّه سبحانه هيّأ في أرضه سعة أولا ثم دعاهم إلى الايمان والعمل كما يشعر به أيضا قوله بعد آيتين « وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً » ( الآية ) . ووصف الأرض بالسعة هو الموجب للتعبير عن الهجرة بقوله « فَتُهاجِرُوا فِيها » أي تهاجروا من بعضها إلى بعضها ، ولولا فرض السعة لكان يقال : فتهاجروا منها . ثم حكم اللّه في حقهم بعد إيراد المساءلة بقوله « فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً » . قوله تعالى : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ، الاستثناء منقطع ، وفي إطلاق المستضعفين على هؤلاء بالتفسير الذي فسره به دلالة على أن الظالمين المذكورين لم يكونوا مستضعفين لتمكنهم من رفع قيد الاستضعاف عن أنفسهم وإنما الاستضعاف وصف هؤلاء المذكورين في هذه الآية ، وفي تفصيل بيانهم بالرجال والنساء والولدان إيضاح للحكم الإلهي ورفع للبس . وقوله « لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا » الحيلة كأنها بناء نوع من الحيلولة ثم استعملت استعمال الآلة فهي ما يتوسل به إلى الحيلولة بين شيء وشيء أو حال للحصول على شيء أو حال آخر ، وغلب استعماله في ما يكون على خفية ، وفي الأمور المذمومة ، وفي مادتها على أي حال معني التغيّر على ما ذكره الراغب في مفرداته . والمعنى : لا يستطيعون ولا يتمكنون أن يحتالوا لصرف ما يتوجه إليهم من استضعاف المشركين عن أنفسهم ، ولا يهتدون سبيلا يتخلصون بها عنهم فالمراد من السبيل على ما يفيده السياق أعم من السبيل الحسّي كطريق المدينة لمن يريد المهاجرة إليها من مسلمي مكة ،