السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
727
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الأطراف ، متفاوت الحالات . ما من إنسان إلا وهو يرى كل يوم أنه أعقل من أمس ، وأن ما ينشئه من عمل أو صنعة أو ما أشبه ذلك أو يدبره من رأي أو نظر أو نحوهما أخيرا أحكم وأمتن مما أتى به أولا حتى العمل الواحد الذي فيه شيء من الامتداد الوجودي كالكتاب يكتبه الكاتب ، والشعر يقوله الشاعر ، والخطبة يخطبها الخطيب ، وهكذا يوجد عند الإمعان آخره خيرا من أوله ، وبعضه أفضل من بعض . فالواحد من الإنسان لا يسلم في نفسه وما يأتي به من العمل من الاختلاف ، وليس هو بالواحد والاثنين من التفاوت والتناقض بل الاختلاف الكثير ، وهذا ناموس كلي جار في الانسان وما دونه من الكائنات الواقعة تحت سيطرة التحول والتكامل العامّين لا ترى واحدا من هذه الموجودات يبقى آنين متواليين على حال واحد بل لا يزال يختلف ذاته وأحواله . ومن هنا يظهر وجه التقييد بالكثير في قوله « اخْتِلافاً كَثِيراً » فالوصف وصف توضيحي لا احترازي ، والمعنى : لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا ، وكان ذلك الاختلاف كثيرا على حد الاختلاف الكثير الذي في كل ما هو من عند غير اللّه ، وليس المعنى أن المرفوع من القرآن هو الاختلاف الكثير دون اليسير . وبالجملة لا يلبث المتدبرون أن يشاهد أن القرآن كتاب يداخل جميع الشؤون المرتبطة بالانسانية من معارف المبدأ والمعاد والخلق والإيجاد ، ثم الفضائل العامة الإنسانية ، ثم القوانين الاجتماعية والفردية الحاكمة في النوع حكومة لا يشذ منها دقيق ولا جليل ، ثم القصص والعبر والمواعظ ببيان دعا إلى مثلها أهل الدنيا ، وبآيات نازلة نجوما في مدة تعدّل ثلاثا وعشرين سنة على اختلاف الأحوال من ليل ونهار ، ومن حضر وسفر ، ومن حرب وسلم ، ومن ضراء وسراء ، ومن شدة ورخاء ، فلم يختلف حاله في بلاغته الخارقة المعجزة ، ولا في معارفه العالية وحكمه السامية ، ولا في قوانينه الاجتماعية والفردية ، بل ينعطف آخره إلى ما قر عليه أوله ،