السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

688

مختصر الميزان في تفسير القرآن

من رذيلته هذه رذيلة أخرى ، وهي رذيلة التكبر ويتم تكبره في صورة الاستعلاء على غيره من عباد اللّه فيستعبد به عباد اللّه سبحانه ، ويجري به كل ظلم وبغي بغير حق وهتك محارم اللّه وبسط السلطة على دماء الناس وأعراضهم وأموالهم . وهذا كله إذا كان الوصف وصفا فرديا وأما إذا تعدى الفرد وصار خلقا اجتماعيا وسيرة قومية فهو الخطر الذي في هلاك النوع وفساد الأرض ، وهو الذي يحكيه تعالى عن اليهود إذ قالوا : لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ( آل عمران / 75 ) . فما كان لبشر أن يذكر لنفسه من الفضيلة ما يمدحها به سواء كان صادقا فيما يقول أو كاذبا لأنه لا يملك ذلك لنفسه لكن اللّه سبحانه لما كان هو المالك لما ملكه ، والمعطي الفضل لمن يشاء وكيف يشاء كان له أن يزكى من شاء تزكية عملية بإعطاء الفضل وإفاضة النعمة ، وأن يزكي من يشاء تزكية قولية يذكره بما يمتدح به ، ويشرفه بصفات الكمال كقوله في آدم ونوح : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً ( آل عمران / 23 ) ، وقوله في إبراهيم وإدريس : إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( مريم / 41 ، 56 ) ، وقوله في يعقوب : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ( يوسف / 68 ) ، وقوله في يوسف : إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( يوسف / 24 ) ، وقوله في حق موسى : إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا ( مريم / 51 ) ، وقوله في حق عيسى : وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( آل عمران / 45 ) ، وقوله في سليمان وأيوب : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( ص / 30 ، 44 ) ، وقوله في محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ( الأعراف / 196 ) ، وقوله : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( القلم / 4 ) ، وكذا قوله تعالى في حق عدة من الأنبياء ذكرهم في سور الأنعام ومريم والأنبياء والصافات وص وغيرها . وبالجملة فالتزكية للّه سبحانه حق لا يشاركه فيه غيره إذ لا يصدر عن غيره إلّا من ظلم وإلى ظلم ، ولا يصدر عنه تعالى إلّا حقا وعدلا يقدر بقدره لا يفرط ولا يفرّط ، ولذا ذيل