السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

610

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً الآية ( النساء / 2 ) ، فأعقب ذلك أن المسلمين أشفقوا على أنفسهم - كما قيل - وخافوا خوفا شديدا حتى أخرجوا اليتامى من ديارهم خوفا من الابتلاء بأموالهم والتفريط في حقهم ، ومن أمسك يتيما عنده أفرز حظه من الطعام والشراب وكان إذا فضل من غذائهم شيء لم يدنوا منه حتى يبقى ويفسد فأصبحوا متحرجين من ذلك وسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن ذلك وشكوا إليه فنزل : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( البقرة / 220 ) فأجاز لهم أن يؤووهم ويمسكوهم إصلاحا لشأنهم وإن يخالطوهم فإنهم إخوانهم فجلى عنهم وفرج همهم . إذا تأملت في ذلك ثم رجعت إلى قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ، الخ ؛ وهو واقع عقيب قوله : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ، الآية ؛ اتضح لك أن الآية واقعة موقع الترقي بالنسبة إلى النهي الواقع في الآية السابقة والمعنى - واللّه أعلم - : اتقوا أمر اليتامى ، ولا تتبدلوا خبيث أموالكم من طيب أموالهم ، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتى أنكم إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمات منهم ولم تطب نفوسكم أن تنكحوهن وتتزوجوا بهن فدعوهن وانكحوا نساء غيرهن ما طاب لكم مثنى وثلاث ورباع . فالشرطية أعني قوله : إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ، في معنى قولنا إن لم تطب لكم اليتامى للخوف من عدم القسط فلا تنكحوهن وانكحوا نساء غيرهن فقوله : فَانْكِحُوا ساد مسد الجزاء الحقيقي ، وقوله : ما طابَ لَكُمْ ، يغني عن ذكر وصف النساء أعني لفظ غيرهن ؛ وقد قيل : ما طاب لكم ولم يقل : من طاب لكم إشارة إلى العدد الذي سيفصله بقوله : مَثْنى وَثُلاثَ ، الخ ؛ ووضع قوله : إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا موضع عدم طيب النفس من وضع السبب موضع المسبب مع الإشعار بالمسبب في الجزاء بقوله : ما