السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
40
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( النساء / 70 ) . وقال تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( الشورى / 52 ) . فالهداية بالايصال إلى المطلوب تتعدى إلى المفعول الثاني بنفسها ، والهداية بإراءة الطريق بالى ، وفيه ان النفي المذكور لحقيقة الهداية التي هي قائمة باللّه تعالى ، لا نفي لها أصلا ، وبعبارة أخرى هو نفي الكمال دون نفي الحقيقة مضافا إلى أنه منقوض بقوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون : يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( غافر / 38 ) . فالحق انه لا يتفاوت معنى الهداية باختلاف التعدية ، ومن الممكن ان يكون التعدية إلى المفعول الثاني من قبيل قولهم دخلت الدار . وبالجملة فالهداية هي الدلالة وإراءة الغاية بإراءة الطريق وهي نحو ايصال إلى المطلوب ، وانما تكون من اللّه سبحانه ، وسنته سنة الأسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب ويتحقق به وصول العبد إلى غايته في سيره ، وقد بيّنه اللّه سبحانه بقوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ( الأنعام / 125 ) . وقوله : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ ( الزمر / 23 ) . وتعدية قوله تلين بإلى لتضمين معنى مثل الميل والاطمينان ، فهو ايجاده تعالى وصفا في القلب به يقبل ذكر اللّه ويميل ويطمئن اليه ، وكما أن سبله تعالى مختلفة ، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل التي تضاف اليه فلكل سبيل هداية قبله تختص به . وإلى هذا الاختلاف يشير قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( العنكبوت / 69 ) . إذ فرق بين ان يجاهد العبد في سبيل اللّه ، وبين أن يجاهد في اللّه ، فالمجاهد في الأول يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه بخلاف المجاهد في الثاني فإنه إنما يريد وجه اللّه فيمده اللّه سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاص به ، وكذا يمده اللّه تعالى بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتى يختصه بنفسه جلّت عظمته .