السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
562
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وخفائه ، فإن علمه تعالى بالحوادث والأشياء في الخارج عين وجودها فيه فإن الأشياء معلومة له تعالى بنفس وجودها لا بصورة مأخوذة منها نظير علومنا وإدراكاتنا وهو ظاهر ، ولازم ذلك أن يكون إرادته تعالى العلم بشيء هي إرادة تحققه وظهوره وحيث قال : وليعلم اللّه الذين آمنوا ، فأخذ وجودهم محققا أفاد ذلك إرادة ظهور إيمانهم ، وإذا كان ذلك على سنة الأسباب والمسببات لم يكن بد من وقوع أمور توجب ظهور إيمان المؤمن بعد خفائه فافهم ذلك . وأما قوله : وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ، فالشهداء شهداء الأعمال وأما الشهداء بمعنى المقتولين في معركة القتال فلا يعهد استعماله في القرآن ، وإنما هو من الألفاظ المستحدثة الاسلامية ، كما مر في قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ ( البقرة / 143 ) ، على أن قوله : وَيَتَّخِذَ ، أيضا لا يلائم الشهداء بمعنى المقتولين في المعركة كثير ملاءمة ، فلا يقال : اتخذ اللّه فلانا مقتولا في سبيله وشهيدا كما يقال : اتخذ اللّه إبراهيم خليلا ، واتخذ اللّه موسى كليما ، واتخذ اللّه النبي شهيدا يشهد على أمته يوم القيامة . وقد غير السياق فقال : ويتخذ منكم شهداء ، ولم يقل : ويتخذهم شهداء لأن الشهادة وإن أضيفت إلى الإمامة في قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ( البقرة / 143 ) ، إلا أنها من قبيل وصف البعض المضاف إلى الكل ، والشهداء بعض الأمة دون كلهم ، وقد مر بيان ذلك في سورة البقرة ، ويمكن أن يتأيد هذا الذي ذكرناه بقوله بعد : واللّه لا يحب الظالمين . وأما قوله : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ فالتمحيص هو تخليص الشيء من الشوائب الخارجة ، والمحق إنفاد الشيء تدريجا وإزالته شيئا فشيئا ، وهذا التمحيص من حكم مداولة الأيام ومصالحها ، وهو غير العلم بالذين آمنوا الذي هو أيضا من حكم مداولة الأيام ، فإن تمييز المؤمن من غير المؤمن أمر وتخليص إيمانه بعد التمييز من شوائب