السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

37

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وأيضا قال تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( يوسف / 106 ) . فبين ان من الشرك ( وهو ضلال ) ما يجتمع مع الايمان وهو سبيل ، ومنه يعلم أن السبيل يجامع الشرك ، لكن الصراط المستقيم لا يجامع الضلال كما قال : ولا الضالين . والتدبر في هذه الآيات يعطى ان كل واحد من هذه السبل يجامع شيئا من النقص أو الامتياز ، بخلاف الصراط المستقيم ، وان كلا منها هو الصراط المستقيم لكنه غير الآخر ويفارقه لكن الصراط المستقيم يتحد مع كل منها في عين انه يتحد مع ما يخالفه ، كما يستفاد من بعض الآيات المذكورة وغيرها كقوله : وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( يس / 61 ) . وقوله تعالى : قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً ( الأنعام / 161 ) . فسمى العبادة صراطا مستقيما وسمي الدين صراطا مستقيما وهما مشتركان بين السبل جميعا ، فمثل الصراط المستقيم بالنسبة إلى سبل اللّه تعالى كمثل الروح بالنسبة إلى البدن ، فكما ان للبدن أطوارا في حياته هو عند كل طور غيره عند طور آخر ، كالصبي والطفولية والرهوق والشباب والكهولة والشيب والهرم لكن الروح هي الروح وهي متحدة بها والبدن يمكن ان تطرأ عليه أطوار تنافي ما تحبه وتقتضيه الروح لو خليت ونفسها بخلاف الروح فطرة اللّه التي فطر الناس عليها والبدن مع ذلك هو الروح أعني الانسان ، فكذلك السبيل إلى اللّه تعالى هو الصراط المستقيم إلا أن السبيل كسبيل المؤمنين وسبيل المنيبين وسبيل المتبعين للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو غير ذلك من سبل اللّه تعالى ، ربما اتصلت به آفة من خارج أو نقص لكنهما لا يعرضان الصراط المستقيم كما عرفت ان الايمان وهو سبيل ربما يجامع الشرك والضلال لكن لا يجتمع مع شيء من ذلك الصراط المستقيم ، فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبعده ، والجميع على الصراط المستقيم أو هي هو . وقد بين اللّه سبحانه هذا المعنى ، اعني : اختلاف السبل إلى اللّه مع كون الجميع من صراطه المستقيم في مثل ضربه للحق والباطل في كلامه ، فقال تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً