السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
534
مختصر الميزان في تفسير القرآن
سبحانه أن يطاع ولا يعصى ويخضع له فيما أعطى أو منع . لكنه إذا أخذ التقوى حق التقوى الذي لا يشوبه باطل فاسد من سنخه كان محض العبودية التي لا تشوبها إنية وغفلة ، وهي الطاعة من غير معصية ، والشكر من غير كفر ، والذكر من غير نسيان ، وهو الإسلام الحق أعني الدرجة العليا من درجاته ؛ وعلى هذا يرجع معنى قوله : وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ إلى نحو قولنا : ودوموا على هذه الحال ( حق التقوى ) حتى تموتوا . وهذا المعنى غير ما يستفاد من قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ( التغابن / 16 ) ، فإن هذه الآية في معنى أن لا تذروا التقوى في شيء مما تستطيعونه غير أن الاستطاعة تختلف باختلاف قوى الأشخاص وأفهامهم وهممهم ، ولا ريب أن حق التقوى بالمعنى الذي ذكرناه ليس في وسع كثير من الناس ، فإن في هذا المسير الباطني مواقف ومعاهد ومخاطر لا يعقلها إلّا العالمون ، ودقائق ولطائف لا يتنبه لها إلّا المخلصون ، فرب مرحلة من مراحل التقوى لا يصدق الفهم العامي بكونها مما تستطيعه النفس الإنسانية فيجزم بكونها غير مستطاعة وإن كان أهل التقوى الحقة خلفوها وراء ظهورهم ، وأقبلوا بهممهم على ما هو أشق وأصعب . فقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، الآية ؛ كلام يتلقاه الأفهام المختلفة بمعان مختلفة على حسب ما يطبقه كل فهم على ما يستطيعه صاحبه ثم يكون ذلك وسيلة ليفهم من هذه الآية أعني قوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أن المراد أن يقعوا في صراط حق التقوى ، ويقصدوا نيل هذا المقام والشخوص والمثول فيه ، وذلك نظير الاهتداء إلى الصراط المستقيم الذي لا يتمكن منه إلّا الأوحديون ، ومع ذلك يدعى اليه جميع الناس ، فيكون محصل الآيتين : ( اتقوا اللّه حق تقاته - فاتقوا اللّه ما استطعتم ) أن يندب جميع الناس ويدعوا إلى حق التقوى ثم يؤمروا بالسير إلى هذا المقصد ما قدروا واستطاعوا ، وينتج ذلك أن يقع الجميع في صراط التقوى إلّا أنهم في مراحل مختلفة ، وعلى درجات مختلفة على طبق ما عندهم من