السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
525
مختصر الميزان في تفسير القرآن
طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ( النساء / 160 ) . وكذا يدل قوله تعالى بعد : قل صدق اللّه فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ، أنهم كانوا يجعلون ما ينكرونه ( من حلية كل الطعام عليهم قبل التوراة ، وكون التحريم إنما نزل عليهم لظلمهم بنسخ الحل بالحرمة ) وسيلة إلى إلقاء الشبهة على المسلمين ، والاعتراض على ما كان يخبر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن ربه أن دينه هو ملة إبراهيم الحنيف ، وهي ملة فطرية لا إفراط فيها ولا تفريط ، كيف ؟ وهم كانوا يقولون : إن إبراهيم كان يهوديا على شريعة التوراة ، فكيف يمكن أن تشتمل ملته على حلية ما حرمتها التوراة ، والنسخ غير جائز ؟ فقد تبين أن الآية إنما تتعرض لدفع شبهة أوردتها اليهود ، ويظهر من عدم تعرض الآية لنقل الشبهة عنهم كما يجري عليه القرآن في غالب الموارد كقوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ( المائدة / 64 ) ، وقوله : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ( البقرة / 80 ) ، وقوله : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ( البقرة / 88 ) ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة . وكذا قوله تعالى بعد عدة آيات : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ - إلى أن قال - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ الآيات ( آل عمران / 100 ) . وبالجملة يظهر من ذلك أنها كانت شبهة تلقيه اليهود لا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بل على المؤمنين في ضمن ما كانوا يتلاقون ويتحاورون . قوله تعالى : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي حتى يتبين أن أي الفريقين على الحق ، أنا أم أنتم ، وهذا إلقاء جواب منه تعالى على نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . قوله تعالى : فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، ظاهره أنه كلام للّه سبحانه يخاطب به نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وعلى هذا ففيه تطييب لنفس النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأن أعدائه من اليهود هم الظالمون بعد هذا البيان لافترائهم الكذب على