السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

508

مختصر الميزان في تفسير القرآن

من حيث إن الحب يوجب تزود المحب من المحبوب بالاسترسال بالنظر والتكليم عند الحضور والوصال ، وإذ لا يحبهم اللّه فلا يكلمهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة وهو يوم الإحضار والحضور ، والتدرج من التكليم إلى النظر لوجود القوة والضعف بينهما فإن الاسترسال في التكليم أكثر منه في النظر فكأنه قيل : لا نشرفهم لا كثيرا ولا قليلا . وثالثها : أن اللّه لا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، وإطلاق الكلام يفيد أن المراد بهما ما يعم التزكية والعذاب في الدنيا والآخرة . قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ، الليّ هو فتل الحبل ، وليّ الرأس واللسان إمالتهما . قال تعالى : لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ( المنافقون / 5 ) ، وقال تعالى : لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ ( النساء / 46 ) ، والظاهر أن المراد بذلك أنهم يقرءون ما افتروه من الحديث على اللّه سبحانه بألحان يقرءون بها الكتاب تلبيسا على الناس ليحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب . وتكرار لفظ الكتاب ثلاث مرات في الكلام لدفع اللبس فإن المراد بالكتاب الأول هو الذي كتبوه بأيديهم ونسبوه إلى اللّه سبحانه ، وبالثاني الكتاب الذي أنزله اللّه تعالى بالوحي ، وبالثالث هو الثاني كرر لفظه لدفع اللبس وللإشارة إلى أن الكتاب بما أنه كتاب اللّه أرفع منزلة من أن يشتمل على مثل تلك المفتريات ، وذلك لما في لفظ الكتاب من معنى الوصف المشعر بالعلية . ونظيره تكرار لفظ الجلالة في قوله : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فالمعنى وما هو من عند اللّه الذي هو إله حقا لا يقول إلّا الحق ، قال تعالى : وَالْحَقَّ أَقُولُ ( ص / 84 ) . وأما قوله : وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تكذيب بعد تكذيب لنسبتهم ما اختلقوه من الوحي إلى اللّه سبحانه فإنهم كانوا يلبسون الأمر على الناس بلحن القول فأبطله