السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

489

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وينيط ظهور حجته ، وتبين الحق الذي يدعيه على ما لا يكون البتة ، وكان ذلك عذرا ( ونعم العذر ) للنصارى في عدم إجابتهم دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى المباهلة ، وكان ذلك أضر لدعواه منه لدعواهم . أم هو اجتماع الحاضرين من الفريقين ومن في حكمهم أعني المؤمنين من أهل المدينة وما والاها ، وأهل نجران ومن والاهم ، وهذا وإن كان أقل وأخف شناعة من الوجه السابق لكنه من حيث استحالة التحقق وامتناع الوقوع كسابقه فمن الذي كان يسعه يومئذ أن يجمع أهل المدينة ونجران قاطبة حتى النساء والذراري منهم في صعيد للملاعنة ، وهل هذه الدعوة إلّا تعليقا بالمحال ، واعترافا بأن الحق متعذر الظهور . أم هو اجتماع المتلبسين بالخصام والجدال من الفريقين أعني النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والحاضرين عنده من المؤمنين ، ووفد نجران من النصارى ، ويرد عليه حينئذ ما أورده بقوله : « ثم إن وفد نجران الذين قالوا : إن الآية نزلت فيهم لم يكن معهم نساءهم وأولادهم ، وكان ذلك وقوعا فيما ذكره من المحذور » . ومنها : قوله : أما كون النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمؤمنين كانوا على يقين مما يعتقدون في عيسى عليه السّلام فحسبنا في بيانه قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فالعلم في هذه المسائل الاعتقادية لا يراد به إلّا اليقين . أقول : أما كون العلم فيها بمعنى اليقين فهو حق وأما كون الآية دالة على كون المؤمنين على يقين من أمر عيسى عليه السّلام فليت شعري من أين له إثبات ذلك ؟ والآية غير متعرضة بلفظها ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك ، الخ ؛ إلّا لشأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومقام التخاطب أيضا لا يشمل غيره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من المؤمنين فإن الوفد من النصارى ما كان لهم هم إلّا المحاجة والخصام مع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولم يكن لهم هوى في لقاء المؤمنين ، ولا كلموهم بكلمة ، ولا كلمهم المؤمنون بكلمة .