السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

442

مختصر الميزان في تفسير القرآن

حضرة التخاطب ممن لا علم له به مع أن مستقبل حال الإنسان من الغيب الذي لا يعلمه إلّا اللّه سبحانه ؛ نظير الكلام في قولها : رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً ، على ما تقدم بيانه فليس إلّا أنها كانت تعلم أن سترزق من عمران ولدا ذكرا صالحا ثم لما حملت وتوفي عمران لم تشك أن ما في بطنها هو ذلك الولد الموعود ، ثم لما وضعتها وبان لها خطأ حدسها أيقنت أنها سترزق ذلك الولد من نسل هذه البنت المولودة فحولت نذرها من الابن إلى البنت ، وسمتها مريم ( العابدة ، الخادمة ) وأعاذتها وذريتها باللّه من الشيطان الرجيم هذا ما يعطيه التدبر في كلامه تعالى . قوله تعالى : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً ؛ القبول إذا قيد بالحسن كان بحسب المعنى هو التقبل الذي معناه القبول عن الرضا ، فالكلام في معنى قولنا : فتقبلها ربها تقبلا فإنما حلل التقبل إلى القبول الحسن ليدل على أن حسن القبول مقصود في الكلام ، ولما في التصريح بحسن القبول من التشريف البارز . وحيث قوبل بهاتين الجملتين أعني قوله : فَتَقَبَّلَها إلى قوله : حَسَناً ، الجملتان في قولها : وَإِنِّي سَمَّيْتُها إلى قولها : الرَّجِيمِ كان مقتضى الانطباق أن يكون قوله : فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ ، قبولا لقولها وإني سميتها مريم ، وقوله : وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً ، قبولا وإجابة لقولها : وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ، فالمراد بتقبلها بقبول حسن ليس هو القبول بمعنى قبول تقرب امرأة عمران بالنذر ، وإعطاء الثواب الأخروي لعملها فإن القبول إنما نسب إلى مريم لا إلى النذر وهو ظاهر بل قبول البنت بما أنها مسماة بمريم ومحررة فيعود معناه إلى اصطفائها ( وقد مر أن معنى الاصطفاء هو التسليم التام للّه سبحانه ) فافهم ذلك . والمراد بإنباتها نبتا حسنا إعطاء الرشد والزكاة لها ولذريتها ، وإفاضة الحياة لها ولمن ينمو منها من الذرية حيوة لا يمسها نفث الشيطان ورجس تسويله ووسوسته ، وهو الطهارة .