السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

24

مختصر الميزان في تفسير القرآن

يقال : حمدته على صفائه ، واللام فيه للجنس أو الاستغراق والمآل هاهنا واحد . وذلك ان اللّه سبحانه يقول : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ( غافر / 62 ) . فأفاد أن كل ما هو شيء فهو مخلوق للّه سبحانه ، وقال : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( السجدة / 7 ) . فأثبت الحسن لكل شيء مخلوق من جهة أنه مخلوق له منسوب اليه ، فالحسن يدور مدار الخلق وبالعكس ، فلا خلق إلا وهو حسن جميل باحسانه ولا حسن إلا وهو مخلوق له منسوب اليه ، وقد قال تعالى : هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( الزمر / 4 ) . وقال : وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ( طه / 111 ) . فانبأ انه لم يخلق ما خلق بقهر قاهر ولا يفعل ما فعل باجبار من مجبر بل خلقه عن علم واختيار فما من شيء إلا وهو فعل جميل اختياري له فهذا من جهة الفعل ، وأما من جهة الاسم فقد قال تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ( طه / 8 ) . وقال تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ( الأعراف / 180 ) . فهو تعالى جميل في أسمائه وجميل في أفعاله ، وكل جميل منه . فقد بان أنه تعالى محمود على جميل أسمائه ومحمود على جميل أفعاله ، وأنه ما من حمد يحمده حامد لأمر محمود إلا كان للّه سبحانه حقيقة لأن الجميل الذي يتعلق به الحمد منه سبحانه ، فللّه سبحانه جنس الحمد وله سبحانه كل حمد . ثم إن الظاهر من السياق وبقرينة الالتفات الذي في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ الآية ؛ إن السورة من كلام العبد ، وانه سبحانه في هذه السورة يلقّن عبده حمد نفسه وما ينبغي ان يتأدب به العبد عند نصب نفسه في مقام العبودية ، وهو الذي يؤيده قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ . وذلك إن الحمد توصيف ، وقد نزه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده حيث قال : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( الصافات / 160 ) . والكلام مطلق غير مقيّد ، ولم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره إلا ما حكاه عن عدة من أنبيائه المخلصين ، قال تعالى في خطابه لنوح عليه السّلام : فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ