السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

418

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وكأن هذا المعنى هو المراد هاهنا بقرينة ما يذكره من اختلاف أهل الكتاب بعد العلم بغيا بينهم فيكون المعنى : إن الدين عند اللّه سبحانه واحد لا اختلاف فيه لم يأمر عباده إلّا به ، ولم يبين لهم فيما أنزله من الكتاب على أنبيائه إلّا إياه ، ولم ينصب الآيات الدالة إلّا له وهو الإسلام الذي هو التسليم للحق الذي هو حق الاعتقاد وحق العمل ، وبعبارة أخرى هو التسليم للبيان الصادر عن مقام الربوبية في المعارف والأحكام ، وهو وإن اختلف كما وكيفا في شرائع أنبيائه ورسله على ما يحكيه اللّه سبحانه في كتابه غير أنه ليس في الحقيقة إلّا أمرا واحدا ، وإنما اختلاف الشرائع بالكمال والنقص دون التضاد والتنافي ، والتفاضل بينها بالدرجات ، ويجمع الجميع أنها تسليم وإطاعة للّه سبحانه فيما يريده من عباده على لسان رسله . فهذا هو الدين الذي أراده اللّه من عباده وبينه لهم ، ولازمه أن يأخذ الانسان بما تبين له من معارفه حق التبين ، ويقف عند الشبهات وقوف التسليم من غير تصرف فيها من عند نفسه وأما اختلاف أهل الكتاب من اليهود والنصارى في الدين مع نزول الكتاب الإلهي عليهم ، وبيانه تعالى لما هو عنده دين وهو الإسلام له فلم يكن عن جهل منهم بحقيقة الأمر وكون الدين واحدا بل كانوا عالمين بذلك ، وانما حملهم على ذلك بغيهم وظلمهم من غير عذر وذلك كفر منهم بآيات اللّه المبينة لهم حق الأمر وحقيقته لا باللّه فإنهم يعترفون به ، ومن يكفر بآيات اللّه فإن اللّه سريع الحساب ، يحاسبه سريعا في دنياه وآخرته : أما في الدنيا فبالخزي وسلب سعادة الحياة عنه ، وأما في الآخرة فبأليم عذاب النار . والدليل على عموم سرعة الحساب للدنيا والآخرة قوله تعالى بعد آيتين : أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا وآخرة وما لهم من ناصرين . قوله تعالى : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ؛ الضمير في حاجوك راجع إلى أهل الكتاب وهو ظاهر والمراد به محاجتهم في أمر الاختلاف بأن يقولوا : أن اختلافنا ليس لبغي منا بعد البيان بل إنما هو شيء ساقنا اليه عقولنا وأفهامنا واجتهادنا في