السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

404

مختصر الميزان في تفسير القرآن

والاتيان بالجملة الاسمية ، والابتداء باسم الإشارة ، وكونه دالا على البعد وتوسيط ضمير الفصل ، وإضافة الوقود إلى النار دون أن يقال وقود ، كل ذلك يؤكد ظهور الكلام في الحصر ، ولازمه كون المكذبين من الكفار هم الأصل في عذاب النار وإيقاد جهنم ، وأن غيرهم إنما يحترقون بنارهم ؛ ويتأيد بذلك ما سيأتي بيانه في قوله تعالى : لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ الآية ( الأنفال / 37 ) . قوله تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إلى آخر الآية ؛ الدأب على ما ذكروه هو السير المستمر ، قال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ ( إبراهيم / 33 ) ، ومنه تسمية العادة دأبا لأنه سير مستمر ، وهذا المعنى هو المراد في الآية . وقوله كَدَأْبِ ، متعلق بمقدر يدل عليه قوله في الآية السابقة : لن تغني عنهم ، ويفسر الدأب قوله : كَذَّبُوا بِآياتِنا وهو في موضع الحال ؛ وتقدير الكلام كما مرت اليه الإشارة : إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا واستمروا عليها دائبين فزعموا أن في أموالهم وأولادهم غنى لهم من اللّه كدأب آل فرعون ومن قبلهم وقد كذبوا بآياتنا . وقوله تعالى : فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ، ظاهر الباء أنها تفيد السببية ، يقال : أخذته بذنبه أي بسبب ذنبه لكن مقتضى المحاذاة التي بين الآيتين ؛ وقياسه حال هؤلاء الذين كفروا في دأبهم على آل فرعون والذين من قبلهم في دأبهم أن يكون البناء للآلة ، فإنه ذكر في الذين كفروا أنهم وقود النار تشتعل عليهم أنفسهم ويعذبون بها فكذلك آل فرعون ومن قبلهم إنما أخذوا بذنوبهم وكان العذاب الذي حل بساحتهم هو عين الذنوب التي اذنبوها ، وكان مكرهم هو الحائق بهم ، وظلمهم عائدا إليهم ، قال تعالى : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ( فاطر / 43 ) ، وقال تعالى : وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( البقرة / 57 ) . فالمعنى - واللّه أعلم - أن آل فرعون كانوا دائبين على دأب هؤلاء الذين كفروا في الكفر