السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
396
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بيان : قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ، عبر تعالى بالإنزال دون التنزيل لأن المقصود بيان بعض أوصاف مجموع الكتاب النازل وخواصه ، وهو أنه مشتمل على آيات محكمة وأخر متشابهة ترجع إلى المحكمات وتبين بها ، فالكتاب مأخوذ بهذا النظر أمرا واحدا من غير نظر إلى تعدد وتكثر ، فناسب استعمال الإنزال دون التنزيل . قوله تعالى : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ، مادة حكم تفيد معنى كون الشيء بحيث يمنع ورود ما يفسده أو يبعضه أو يخل أمره عليه ، ومنه الإحكام والتحكيم ، والحكم بمعنى القضاء ، والحكمة بمعنى المعرفة التامة والعلم الجازم النافعة ، والحكمة بفتح الحاء لزمام الفرس ، ففي الجميع شيء من معنى المنع والإتقان ، وربما قيل : إن المادة تدل على معنى المنع مع إصلاح . والمراد هاهنا من إحكام المحكمات إتقان هذه الآيات من حيث عدم وجود التشابه فيها كالمتشابهات ، فإنه تعالى وإن وصف كتابه بإحكام الآيات في قوله : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( هود / 1 ) ، لكن اشتمال الآية على ذكر التفصيل بعد الإحكام دليل على أن المراد بالإحكام حال من حالات الكتاب كان عليها قبل النزول وهي كونه واحدا لم يطرأ عليه التجزي والتبعض بعد بتكثر الآيات ، فهو إتقانه قبل وجود التبعض ، فهذا الإحكام وصف لتمام الكتاب ، بخلاف وصف الإحكام والإتقان الذي لبعض آياته بالنسبة إلى بعض آخر من جهة امتناعها عن التشابه في المراد « 1 » . قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ
--> ( 1 ) . آل عمران 7 - 9 : بحث في : أم الكتاب ؛ المحكم والمتشابه .