السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
365
مختصر الميزان في تفسير القرآن
غيره ، وهو قوله تعالى : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، في الكلام التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكأن ما كان يشاهده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من فعال المؤمنين في صدقاتهم من اختلاف السجايا بالإخلاص من بعضهم والمن والأذى والتثاقل في إنفاق طيب المال من بعض مع كونهم مؤمنين أوجد في نفسه الشريفة وجدا وحزنا فسلاه اللّه تعالى بالتنبيه على أن أمر هذا الايمان الموجود فيهم والهدى الذي لهم إنما هو إلى اللّه تعالى يهدي من يشاء إلى الايمان وإلى درجاته ، وليس يستند إلى النبي لا وجوده ولا بقائه حتى يكون عليه حفظه ، ويشتق من زواله أو ضعفه ، أو يسوأه ما آل إليه الكلام في هذه الآيات من التهديد والإيعاد والخشونة . والشاهد على ما ذكرناه قوله تعالى : هُداهُمْ ، بالتعبير بالمصدر المضاف الظاهر في تحقق التلبس ، على أن هذا المعنى أعني ففي استناد الهداية إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وإسناده إلى اللّه سبحانه حيث وقع في القرآن وقع في مقام تسلية النبي وتطييب قلبه . فالجملة أعني قوله : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ جملة معترضة اعترضت في الكلام لتطييب قلب النبي بقطع خطاب المؤمنين والإقبال عليه صلى اللّه عليه وآله ، نظير الاعتراض الواقع في قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ الآيات ، ( القيمة / 17 ) ؛ فلما تم الاعتراض عاد إلى الأصل في الكلام من خطاب المؤمنين . قوله تعالى : وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ إلى آخر الآية ؛ رجوع إلى خطاب المؤمنين بسياق خال عن التبشير والإنذار والتحنن والتغيظ معا ، فإن ذلك مقتضى معنى قوله تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ كما لا يخفى . فقصر الكلام على الدعوة الخالية بالدلالة على أن ساحة المتكلم الداعي منزهة عن الانتفاع بما