السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

362

مختصر الميزان في تفسير القرآن

قوله تعالى : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ، الايتاء هو الاعطاء ، والحكمة بكسر الحاء على فعلة بناء نوع يدل على نوع المعنى فمعناه النوع من الإحكام والإتقان أو نوع من الامر المحكم المتقن الذي لا يوجد فيه ثلمة ولا فتور ، وغلب استعماله في المعلومات العقلية الحقة الصادقة التي لا تقبل البطلان والكذب البتة . والجملة تدل على أن البيان الذي بين اللّه به حال الانفاق بجمع علله وأسبابه وما يستتبعه من الأثر الصالح في حقيقة حياة الانسان هو من الحكمة ، فالحكمة هي القضايا الحقة المطابقة للواقع من حيث اشتمالها بنحو على سعادة الانسان كالمعارف الحقة الإلهية في المبدأ والمعاد ، والمعارف التي تشرح حقائق العالم الطبيعي من جهة مساسها بسعادة الانسان كالحقائق الفطرية التي هي أساس التشريعات الدينية . قوله تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ، المعنى ظاهر ، وقد أبهم فاعل الايتاء مع أن الجملة السابقة عليه تدل على أنه اللّه تبارك وتعالى ليدل الكلام على أن الحكمة بنفسها منشأ الخير الكثير فالتلبس بها يتضمن الخير الكثير ، لا من جهة انتساب اتيانه اليه تعالى ، فإن مجرد انتساب الاتيان لا يوجب ذلك كإيتاء المال ، قال تعالى في قارون : وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إلى آخر الآيات ( القصص / 76 ) ؛ وانما نسب إليها الخير الكثير دون الخير مطلقا ، مع ما عليه الحكمة من ارتفاع الشأن ونفاسة الامر لان الامر مختوم بعناية اللّه وتوفيقه ، وامر السعادة مراعي بالعاقبة والخاتمة . قوله تعالى : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ، اللب هو العقل لأنه في الانسان بمنزلة اللب من القشر ، وعلى هذا المعنى استعمل في القرآن ، وكأن لفظ العقل بمعناه المعروف اليوم من الأسماء المستحدثة بالغلبة ولذلك لم يستعمل في القرآن وإنما استعمل منه الافعال مثل يعقلون . والتذكر هو الانتقال من النتيجة إلى مقدماتها ، أو من الشيء إلى نتائجها ، والآية تدل