السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

346

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الماء إذا سال إليها والحجر إذا هبط إليها . وقد قال تعالى : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ، ولم يقل : ألم تؤمن للاشعار بأن للسؤال والطلب محلا لكنه لا ينبغي ان يقارن عدم الإيمان بالاحياء : ولو قيل : ألم تؤمن دل على أن المتكلم تلقى السؤال منبعثا عن عدم الايمان ، فكان عتابا وردعا عن مثل هذا السؤال ، وذلك ان الواو للجميع ، فكان الاستفهام معه استفهاما عن أن هذا السؤال هل يقارنه عدم الايمان ، لا استفهاما عن وجه السؤال حتى ينتج عتابا وردعا . والايمان مطلق في كلامه تعالى ، وفيه دلالة على أن الايمان باللّه سبحانه لا يتحقق مع الشك في أمر الاحياء والبعث ، ولا ينافي ذلك اختصاص المورد بالاحياء لأن المورد لا يوجب تخصيص عموم اللفظ ولا تقييد إطلاقه . وكذا قوله تعالى حكاية عنه عليه السّلام : لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ، مطلق يدل على كون مطلوبه عليه السّلام من هذا السؤال حصول الاطمينان المطلق وقطع منابت كل خطور قلبي واعراقه ، فإن الوهم في إدراكاتها الجزئية واحكامها لما كانت معتكفة على باب الحس وكان جل أحكامها وتصديقاتها في المدركات التي تتلقاها من طريق الحواس فهي تنقبض عن مطاوعة ما صدقه العقل ، وإن كانت النفس مؤمنة موقنة به ، كما في الاحكام الكلية العقلية الحقة من الأمور الخارجة عن المادة الغائبة عن الحس فإنها تستنكف عن قبولها وان سلمت مقدماتها المنتجة لها ، فتخطر بالبال أحكاما مناقضة لها ، ثم تثير الأحوال النفسانية المناسبة لاستنكافها فتقوى وتتأيد بذلك في تأثيرها المخالف ، وان كانت النفس من جهة عقلها موقنة بالحكم مؤمنة بالأمر فلا تضرها إلا أذى ، كما أن من بات في دار مظلمة فيها جسد ميت فإنه يعلم : ان الميت جماد من غير شعور وإرادة فلا يضر شيئا ، لكن الوهم تستنكف عن هذه النتيجة وتستدعي من المتخيلة ان تصور للنفس صورا هائلة موحشة من أمر الميت ثم تهيج صفة الخوف فتتسلط على النفس ، وربما بلغ إلى حيث يزول العقل أو تفارق النفس .