السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
339
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الملك . وهناك نكتة أخرى وهي : الدلالة على رداءة دعواه من رأس ، وذلك أنه انما كان يدعي هذه الدعوى لملك آتاه اللّه تعالى من غير أن يملكه لنفسه ، فهو انما كان نمرود الملك ذا السلطة والسطوة بنعمة من ربه ، وأما هو في نفسه فلم يكن الا واحدا من سواد الناس لا يعرف له وصف ، ولا يشار اليه بنعت ، ولهذا لم يذكر اسمه وعبر عنه بقوله : الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ، دلالة على حقارة شخصه وخسة أمره . واما نسبة ملكه إلى إيتاء اللّه تعالى فقد مر في المباحث السابقة : انه لا محذور فيه ، فإن الملك وهو نوع سلطنة منبسطة على الأمة كسائر أنواع السلطنة والقدرة نعمة من اللّه وفضل يؤتيه من يشاء ، وقد أودع في فطرة الإنسان معرفته ، والرغبة فيه ، فإن وضعه في موضعه كان نعمة وسعادة ، قال تعالى : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ( القصص / 77 ) ، وان عدا طوره وانحرف به عن الصراط كان في حقه نقمة وبوارا ، قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( إبراهيم / 28 ) ، وقد مر بيان ان لكل شيء نسبة اليه تعالى على ما يليق بساحة قدسه تعالى وتقدس من جهة الحسن الذي فيه دون جهة القبح والمساءة . قوله تعالى : قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، الحياة والموت وإن كانا يوجدان في غير جنس الحيوان أيضا كالنبات ، وقد صدقه القرآن كما مر بيانه في تفسير آية الكرسي ، لكن مراده عليه السّلام منهما اما خصوص الحياة والممات الحيوانيين أو الأعم الشامل له لإطلاق اللفظ ، والدليل على ذلك قول نمرود : أنا أحيي وأميت ، فإن هذا الذي ادعاه لنفسه لم يكن من قبيل إحياء النبات بالحرث والغرس مثلا ، ولا احياء الحيوان بالسفاد والتوليد مثلا ، فإن ذلك وأشباهه كان لا يختص به بل يوجد في غيره من أفراد الانسان ، وهذا يؤيد ما وردت به الروايات : انه أمر بإحضار رجلين ممن كان في سجنه فأطلق أحدهما وقتل الآخر ، وقال