السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
334
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ مثلا ، أو قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ * الآية لا يؤثران في ظهور حقية الدين شيئا حتى ينسخا حكما معلولا لهذا الظهور . وبعبارة أخرى الآية تعلل قوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ بظهور الحق ، وهو معنى لا يختلف حاله قبل نزول حكم القتال وبعد نزوله ، فهو ثابت على كل حال ، فهو غير منسوخ . قوله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى الخ ؛ الطاغوت هو الطغيان والتجاوز عن الحد ولا يخلو عن مبالغة في المعنى كالملكوت والجبروت ، ويستعمل فيما يحصل به الطغيان كأقسام المعبودات من دون اللّه كالأصنام والشياطين والجن وأئمة الضلال من الانسان وكل متبوع لا يرضى اللّه سبحانه باتباعه ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والتثنية والجمع . وإنما قدم الكفر على الايمان في قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ، ليوافق الترتيب الذي يناسبه الفعل الواقع في الجزاء أعني الاستمساك بالعروة الوثقى ، لان الاستمساك بشيء إنما يكون بترك كل شيء والأخذ بالعروة ، فهناك ترك ثم أخذ ، فقدم الكفر وهو ترك على الايمان وهو اخذ ليوافق ذلك ، والاستمساك هو الاخذ والامساك بشدة ، والعروة : ما يؤخذ به من الشيء كعروة الدلو وعروة الاناء ، والعروة هي كل ما له أصل من النبات وما لا يسقط ورقه ، وأصل الباب التعلق يقال : عراه واعتريه اي تعلق به . والكلام أعني قوله : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ، موضوع على الاستعارة للدلالة على أن الايمان بالنسبة إلى السعادة بمنزلة عروة الاناء بالنسبة إلى الاناء وما فيه ، فكما لا يكون الاخذ أخذا مطمئنا حتى يقبض على العروة كذلك السعادة الحقيقية لا يستقر أمرها ولا يرجى نيلها إلا أن يؤمن الانسان باللّه ويكفر بالطاغوت . قوله تعالى : لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، الانفصام : الانقطاع والانكسار ، والجملة في موضع الحال من العروة تؤكد معنى العروة الوثقى ، ثم عقبه بقوله : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ،