السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

332

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الاجبار والحمل على الفعل من غير رضى ، والرشد بالضم والضمتين : إصابة وجه الامر ومحجة الطريق ويقابله الغي ، فهما أعم من الهدى والضلال ، فإنهما إصابة الطريق الموصل وعدمها على ما قيل ، والظاهر أن استعمال الرشد في إصابة محجة الطريق من باب الانطباق على المصداق ، فإن إصابة وجه الامر من سالك الطريق ان يركب المحجة وسواء السبيل ، فلزومه الطريق من مصاديق إصابة وجه الامر ، فالحق ان معنى الرشد والهدى معنيان مختلفان ينطبق أحدهما بعناية خاصة على مصاديق الآخر وهو ظاهر ، قال تعالى : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ( النساء / 6 ) ، وقال تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ ( الأنبياء / 51 ) ، وكذلك القول في الغي والضلال ، ولذلك ذكرنا سابقا : ان الضلال هو العدول عن الطريق مع ذكر الغاية والمقصد ، والغي هو العدول مع نسيان الغاية فلا يدري الانسان الغوي ما ذا يريد وما ذا يقصد . وفي قوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، نفى الدين الاجباري ، لما أن الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها أخرى عملية يجمعها أنها اعتقادات ، والاعتقاد والايمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الاكراه والاجبار ، فإن الاكراه انما يؤثر في الاعمال الظاهرية والافعال والحركات البدنية المادية ، وأما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبية من سنخ الاعتقاد والادراك ، ومن المحال أن ينتج الجهل علما ، أو تولد المقدمات غير العلمية تصديقا علميا ، فقوله : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، ان كان قضية اخبارية حاكية عن حال التكوين انتج حكما دينيا بنفي الاكراه على الدين والاعتقاد ، وان كان حكما انشائيا تشريعيا كما يشهد به ما عقبه تعالى من قوله : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، كان نهيا عن الحمل على الاعتقاد والايمان كرها ، وهو نهي متك على حقيقة تكوينية ، وهي التي مر بيانها أن الاكراه انما يعمل ويؤثر في مرحلة الافعال البدنية دون الاعتقادات القلبية . وقد بيّن تعالى هذا الحكم بقوله : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، وهو في مقام التعليل فإن الإكراه