السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
315
مختصر الميزان في تفسير القرآن
والجند المجتمع الغليظ من كل شيء وسمي العسكر جندا لتراكم الاشخاص فيه وغلظتهم ، وفي جمع الجند في الكلام دلالة على أنهم كانوا من الكثرة على حد يعتنى به وخاصة مع ما فيه المؤمنين من القلة بعد جواز النهر وتفرق الناس ، ونظير هذه النكتة موجود في قوله تعالى : فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ . وفي مجموع الكلام إشارة إلى حق الامر في شأن بني إسرائيل وإيفائهم بميثاق اللّه ، فإنهم سألوا بعث الملك جميعا وشدوا الميثاق ، وقد كانوا من الكثرة بحيث لما تولوا إلّا قليلا منهم عن القتال كان ذلك القليل الباقي جنودا ، وهذه الجنود أيضا لم تغن عنهم شيئا بل تخلفوا بشرب النهر ولم يبق إلّا القليل من شائبة فشل ونفاق بينهم من جهة المغترفين ، ومع ذلك كان النصر للذين آمنوا وصبروا مع ما كان عليه جنود طالوت من الكثرة . والابتلاء الامتحان ، والنهر مجرى الماء الفائض ، والاغتراف والغرف رفع الشيء وتناوله ، يقال : غرف الماء غرفة واغترفه غرفة إذا رفعه ليتناوله ويشربه . وفي استثناء قوله تعالى : إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ عن مطلق الشرب دلالة على أنه كان المنهي عنه هو الشرب على حالة خاصة ، وقد كان الظاهر أن يقال : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ غير أن وضع قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ، في الكلام مع تبديل الشرب بالطعم ومعناه الذوق أوجب تحولا في الكلام من جهة المعنى إذ لو لم تضف الجملة الثانية كان مفاد الكلام أن جميع الجنود كانوا من طالوت ، والشرب يوجب انقطاع جمع منه والاغتراف يوجب الانقطاع من المنقطع أي الاتصال وأما لو أضيفت الجملة الثانية ، أعني قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلى الجملة الأولى كان مفاد الكلام أن الامر غير مستقر بحسب الحقيقة بعد إلّا بحسب الظاهر فالجنود في الظاهر مع طالوت لكن لم يتحقق بعد أن الذين هم مع طالوت من هم ، ثم النهر الذي سيبتليهم اللّه به سيحقق كلا الفريقين ويشخصهما فيعين به من ليس منه وهو من شرب من النهر ، ويتعين به من هو منه وهو من لم يطعمه ، وإذا