السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

272

مختصر الميزان في تفسير القرآن

يخطئان الواقع ، ومثل هذا الكلام إنما يلقى إلى من أخطأ خطأ واحدا كمن يكره لقاء زيد فقط ، وأما من أخطأ خطاءين كان يكره المعاشرة والمخالطة ويحب الاعتزال ، فالذي تقتضيه البلاغة ان يشار إلى خطأه في الامرين جميعا ، فيقال له : لا في كرهك أصبت ، ولا في حبك اهتديت ، عسى ان تكره شيئا وهو خير لك وعسى ان تحب شيئا وهو شر لك لأنك جاهل لا تقدر ان تهتدي بنفسك إلى حقيقة الامر ، ولما كان المؤمنون مع كرههم للقتال محبين للسلم كما يشعر به أيضا قوله تعالى سابقا : أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ، نبههم اللّه بالخطأين بالجملتين المستقلتين وهما : عسى ان تكرهوا ، وعسى ان تحبوا . قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ، تتميم لبيان خطأهم ، فإنه تعالى درج في بيان ذلك إرفاقا فأذهانهم ، فأخذ أولا بإبداء احتمال خطأهم في كراهتهم للقتال بقوله : عَسى أَنْ تَكْرَهُوا ، فلما اعتدلت أذهانهم بحصول الشك فيها ، وزوال صفة الجهل المركب كرّ عليهم ثانيا بأن هذا الحكم الذي كرهتموه أنتم إنما شرعه اللّه الذي لا يجهل شيئا من حقائق الأمور ، والذي ترونه مستند إلى نفوسكم التي لا تعلم شيئا إلّا ما علمها اللّه إياه وكشف عن حقيقته ، فعليكم ان تسلموا اليه سبحانه الأمر . والآية في إثبات العلم له تعالى على الاطلاق ونفى العلم عن غيره على الاطلاق تطابق سائر الآيات الدالة على هذا المعنى كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ( آل عمران / 5 ) ، وقوله تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ( البقرة / 255 ) ، وقد سبق بعض الكلام في القتال في قوله : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ( البقرة / 190 ) . قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ، الآية ؛ تشتمل على المنع عن القتال في الشهر الحرام وذمه بأنه صد عن سبيل اللّه وكفر ، واشتمالها مع ذلك على أن إخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر عند اللّه ، وان الفتنة أكبر من القتل ، يؤذن بوقوع حادثة هي الموجبة للسؤال وان هناك قتلا ، وانه إنما وقع خطأ لقوله تعالى في آخر الآيات : إِنَّ الَّذِينَ