السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

265

مختصر الميزان في تفسير القرآن

النَّاسَ عَلَيْها ( الروم / 30 ) ، نسب اللّه سبحانه الاختلاف الواقع فيه إلى البغي . وفي قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ ، دلالة على أن المراد بالجملة هو الإشارة إلى الأصل في ظهور الاختلاف الديني في الكتاب لا أن كل من انحرف عن الصراط المستقيم أو تدين بغير الدين يكون باغيا وإن كان ضالا عن الصراط السوي ، فإن اللّه سبحانه لا يعذر الباغي ، وقد عذر من اشتبه عليه الامر ولم يجد حيلة ولم يهتد سبيلا ، قال تعالى : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( الشورى / 42 ) ، وقال تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - إلى أن قال - : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة / 106 ) ، وقال تعالى : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ( النساء / 99 ) . على أن الفطرة لا تنافي الغفلة والشبهة ، ولكن تنافي التعمد والبغي ، ولذلك خص البغي بالعلماء ومن استبانت له الآيات الإلهية ، قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( البقرة / 39 ) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وقد قيد الكفر في جميعها بتكذيب آيات اللّه ثم أوقع عليه الوعيد ، وبالجملة فالمراد بالآية أن هذا الاختلاف ينتهي إلى بغي حملة الكتاب من بعد علم . قوله تعالى : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ ، بيان لما اختلف فيه وهو الحق الذي كان الكتاب نزل بمصاحبته ، كما دل عليه قوله تعالى : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ، وعند ذلك عنت الهداية الإلهية بشأن الاختلافين معا : الاختلاف في شأن الحياة ، والاختلاف في الحق والمعارف الإلهية الذي كان عامله الأصلي بغي حملة الكتاب ، وفي تقييد الهداية بقوله تعالى : بِإِذْنِهِ دلالة على أن هداية اللّه تعالى لهؤلاء المؤمنين لم تكن