السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
182
مختصر الميزان في تفسير القرآن
النظام الموجود المعهود في هذا العالم ، لا في الوحي فقط ، بل في كل إعلام عمومي وتبيين مطلق ، بل إنما يكون باتصال الخبر إلى بعض الناس من غير واسطة وإلى بعض آخرين بواسطتهم ، بتبليغ الحاضر الغائب ، والعالم الجاهل ، فالعالم يعد من وسائط البلوغ وأدواته ، كاللسان والكلام : فإذا بين الخبر للعالم المأخوذ عليه الميثاق بعلمه مع غيره من المشافهين فقد بين للناس ، فكتمان العالم علمه هذا كتمان العلم عن الناس بعد البيان لهم وهو السبب الوحيد الذي عده اللّه سبحانه سببا لاختلاف الناس في الدين وتفرقهم في سبل الهداية والضلالة ، وإلّا فالدين فطري تقبله الفطرة وتخضع له القوة المميزة بعد ما بين لها ، قال تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( الروم / 30 ) ، فالدين فطري على الخلقة لا يدفعه الفطرة أبدا لو ظهر لها ظهورا ما بالصفاء من القلب ، كما في الأنبياء ، أو ببيان قولي ، ولا محالة ينتهي هذا الثاني إلى ذلك الأول فافهم ذلك . ولذلك جمع في الآية بين كون الدين فطريا على الخلقة وبين عدم العلم به فقال : فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ، وقال : لكن أكثر الناس لا يعلمون ، وقال تعالى : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ( البقرة / 213 ) ، فأفاد أن الاختلاف فيما يشتمل عليه الكتاب إنما هو ناش عن بغي العلماء الحاملين له ، فالاختلافات الدينية والانحراف عن جادة الصواب معلول بغى العلماء بالإخفاء والتأويل والتحريف ، وظلمهم ، حتى أن اللّه عرف الظلم بذلك يوم القيمة كما قال : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً ( الأعراف / 44 ) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة . قوله تعالى : أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ، بيان لجزاء بغي الكاتمين لما أنزله اللّه من الآيات والهدى ، وهو اللعن من اللّه ، واللعن من كل لاعن ، وقد كرر اللعن لأن