السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
177
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بحقيقة الملك ، وان مرجعه إلى اللّه سبحانه وبه يتحقق أحسن الصبر الذي يقطع منابت الجزع والأسف ، ويغسل رين الغفلة « 1 » . قوله تعالى : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ الآية ؛ التدبر في الآية يعطي أن الصلاة غير الرحمة بوجه ، ويشهد به جمع الصلاة وإفراد الرحمة ، وقد قال تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( الأحزاب / 43 ) ، والآية تفيد كون قوله : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ، في موقع العلة لقوله : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ، والمعنى انه انما يصلي عليكم ، وكان من اللازم المترقب ذلك ، لأن عادته جرت على الرحمة بالمؤمنين ، وأنتم مؤمنون فكان من شأنكم أن يصلي عليكم حتى يرحمكم ، فنسبة الصلاة إلى الرحمة نسبة المقدمة إلى ذيها وكالنسبة التي بين الالتفات والنظر ، والتي بين الإلقاء في النار والإحراق مثلا ، وهذا يناسب ما قيل في معنى الصلاة : أنها الانعطاف والميل ، فالصلاة من اللّه سبحانه انعطاف إلى العبد بالرحمة ومن الملائكة انعطاف إلى الإنسان بالتوسط في إيصال الرحمة ، ومن المؤمنين رجوع ودعاء بالعبودية وهذا لا ينافي كون الصلاة بنفسها رحمة ومن مصاديقها ، فإن الرحمة في القرآن على ما يعطيه التدبر في مواردها هي العطية المطلقة الإلهية ، والموهبة العامة الربانية ، كما قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ( الأعراف / 156 ) ، وقال تعالى : وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( الأنعام / 133 ) ، فالإذهاب لغناه والاستخلاف والإنشاء لرحمته ، وهما جميعا يستندان إلى رحمته كما يستندان إلى غناه فكل خلق وأمر رحمة ، كما أن كل خلق وأمر عطية تحتاج إلى غنى ،
--> ( 1 ) . البقرة 153 - 157 : بحث في الاخلاق ؛ تهذيب الاخلاق واكتساب الفاضلة منها والمسالك المختلفة فيها ؛ مسلك في تهذيب الاخلاق مخصوص بالقرآن الكريم .