السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

174

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الآخر وأذعنوا بالحياة الآخرة ، ولا يتصور منهم القول ببطلان الإنسان بالموت ، بعد ما أجابوا دعوة الحق وسمعوا شيئا كثيرا من الآيات الناطقة بالمعاد ، مضافا إلى أن الآية إنما تثبت الحياة بعد الموت في جماعة مخصوصين ، وهم الشهداء المقتولون في سبيل اللّه ، في مقابل غيرهم من المؤمنين ، وجميع الكفار ، مع أن حكم الحياة بعد الموت عام شامل للجميع فالمراد بالحياة بقاء الاسم ، والذكر الجميل على مر الدهور ، وبذلك فسره جمع من المفسرين . ويرده أولا : أن كون هذه حيوة إنما هو في الوهم فقط دون الخارج ، فهي حيوة تخيلية ليس لها في الحقيقة إلّا الاسم ، ومثل هذا الموضوع الوهمي لا يليق بكلامه ، وهو تعالى يدعو إلى الحق ، ويقول : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ( يونس / 32 ) ، وأما الذي سأله إبراهيم في قوله : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( الشعراء / 84 ) ، فإنما يريد به بقاء دعوته الحقة ، ولسانه الصادق بعده ، لا حسن ثنائه وجميل ذكره بعده فحسب . وثانيا : ان ذيل الآية - وهو قوله تعالى : وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ - لا يناسب هذا المعنى ، بل كان المناسب له أن يقال : بل أحياء ببقاء ذكرهم الجميل ، وثناء الناس عليهم بعدهم ، لأنه المناسب لمقام التسلية وتطييب النفس . وثالثا : أن نظيرة هذه الآية - وهي تفسرها - وصف حياتهم بعد القتل بما ينافي هذا المعنى ، قال تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( آل عمران / 196 ) ، إلى آخر الآيات ومعلوم أن هذه الحياة حيوة خارجية حقيقية ليست بتقديرية . ورابعا : ان الجهل بهذه الحياة التي بعد الموت ليس بكل البعيد من بعض المسلمين في أواسط عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإن الذي هو نص غير قابل للتأويل انما هو البعث للقيمة ، واما ما بين الموت إلى الحشر - وهي الحياة البرزخية - فهي وان كانت من جملة ما بينه القرآن