السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

171

مختصر الميزان في تفسير القرآن

ومنحة على منحة - وهو ذكر منه لهم - إذ لم ينسهم في هدايتهم إلى مستقيم الصراط ، وسوقهم إلى أقصى الكمال ، وزيادة على ذلك ، وهو جعل القبلة ، الذي فيه كمال دينهم ، وتوحيد عبادتهم ، وتقويم فضيلتهم الدينية والاجتماعية فرّع على ذلك دعوتهم إلى ذكره وشكره ، ليذكرهم بنعمته على ذكرهم إياه بعبوديته وطاعته ، ويزيدهم على شكرهم لنعمته وعدم كفرانهم ، وقد قال تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ( الكهف / 24 ) . وقال تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ( إبراهيم / 7 ) ، والآيتان جميعا نازلتان قبل آيات القبلة من سورة البقرة . ثم إن الذكر ربما قابل الغفلة كقوله تعالى : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا ( الكهف / 28 ) . وهي انتفاء العلم بالعلم ، مع وجود أصل العلم ، فالذكر خلافه ، وهو العلم بالعلم ، وربما قابل النسيان وهو زوال صورة العلم عن خزانة الذهن ، فالذكر خلافه ، ومنه قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ الآية ؛ وهو حينئذ كالنسيان معنى ذو آثار وخواص تتفرع عليه ، ولذلك ربما أطلق الذكر كالنسيان في موارد تتحقق في آثارهما وإن لم تتحقق أنفسهما ، فإنك إذا لم تنصر صديقك - وأنت تعلم حاجته إلى نصرك فقد نسيته ، والحال أنك تذكره ، وكذلك الذكر . والظاهر أن إطلاق الذكر على اللفظي من هذا القبيل ، فإن التكلم عن الشيء من آثار ذكره قلبا ، قال تعالى : قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ( الكهف / 83 ) . ونظائره كثيرة ، ولو كان الذكر اللفظي أيضا ذكرا حقيقة فهو من مراتب الذكر ، لأنه مقصور عليه ومنحصر فيه ، وبالجملة : الذكر له مراتب كما قال تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( الرعد / 28 ) ، وقال : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ( الأعراف / 205 ) ، وقال تعالى : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ( البقرة / 200 ) ، فالشدة إنما يتصف به المعنى دون اللفظ ، وقال تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ