السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

159

مختصر الميزان في تفسير القرآن

كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 ) بيان : قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ، هذا تمهيد ثانيا لما سيأمر تعالى به من اتخاذ الكعبة قبلة وتعليم للجواب عما سيعترض به السفهاء من الناس وهم اليهود تعصبا لقبلتهم التي هي بيت المقدس ومشركوا العرب الراصدون لكل امر جديد يحتمل الجدال والخصام ، وقد مهد لذلك أولا بما ذكره اللّه تعالى من قصص إبراهيم وأنواع كرامته على اللّه سبحانه وكرامة ابنه إسماعيل ودعوتهما للكعبة ومكة وللنبي والأمة المسلمة وبنائهما البيت والامر بتطهيره للعبادة ، ومن المعلوم ان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة من أعظم الحوادث الدينية وأهم التشريعات التي قوبل به الناس بعد هجرة النبي إلى المدينة وأخذ الاسلام في تحقيق أصوله ونشر معارفه وبث حقائقه ، فما كانت اليهود وغيرهم تسكت وتستريح في مقابل هذا التشريع ، لأنهم كانوا يرون انه يبطل واحدا من أعظم مفاخرهم الدينية وهو القبلة واتباع غيرهم لهم فيها وتقدمهم على من دونهم في هذا الشعار الديني ، على أن ذلك تقدم باهر في دين المسلمين ، لجمعه وجوههم في عباداتهم ومناسكهم الدينية إلى نقطة واحدة يخلصهم من تفرق الوجوه في الظاهر وشتات الكلمة في الباطن واستقبال الكعبة أشد تأثيرا وأقوى من أمثال الطهارة والدعاء وغيرهما في نفوس المسلمين ، عند اليهود ومشركي العرب وخاصة عند اليهود كما يشهد به قصصهم المقتصة في القرآن ، فقد كانوا أمة لا يرون لغير المحسوس من عالم الطبيعة أصالة ولا لغير الحس وقعا ، إذا جاءهم حكم من احكام اللّه معنوي قبلوه من غير تكلم عليه وإذا جاءهم امر من ربهم صوري متعلق بالمحسوس من الطبيعة كالقتال والهجرة والسجدة وخضوع القول وغيرها قابلوه