السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

144

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الاستعارة بالكناية ، وأصل المعنى : أن خلصا بيتي لعبادة العبّاد ، وذلك تطهير وإما تنظيفه من الأقذار والكثافات الطارئة من عدم مبالات الناس والركع السجود جمعا راكع وساجد وكان المراد به المصلون . قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا ، هذا دعاء دعا به إبراهيم يسأل به الأمن على أهل مكة والرزق وقد أجيبت دعوته ، وحاشا للّه سبحانه أن ينقل في كلامه دعاء لا يستجيبه ولا يردّه في كلامه الحق فيشتمل كلامه على هجاء لغو لغى به لاغ جاهل ، وقد قال تعالى : وَالْحَقَّ أَقُولُ ( ص / 84 ) ، وقال تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ( الطارق / 14 ) . وقد نقل القرآن العظيم عن هذا النبي دعوات كثيرة دعا بها ، وسألها ربه كدعائه لنفسه في بادئ أمره ، ودعائه عند مهاجرته إلى سورية ودعائه ومسألته بقاء الذكر الخير ، ودعائه لنفسه وذريته ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات ، ودعائه لأهل مكة بعد بناء البيت ، ودعائه ومسألته بعثة النبي من ذريته ، ومن دعواته ومسائله التي تجم آماله وتشخص مجاهداته ومساعيه في جنب اللّه وفضائل نفسه المقدسة ، وبالجملة تعرف موقعه وزلفاه من اللّه عز اسمه ، وسائر قصصه وما مدحه به ربه ، يستنبط شرح حياته الشريفة ، وسنتعرض للميسور من ذلك في سورة الأنعام . قوله تعالى : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ، لما سئل عليه السلام لبلد مكة الأمن ، ثم سئل لأهله أن يرزقوا من الثمرات ، استشعر : أن الأهل سيكون منهم مؤمنون وكافرون ، ودعائه للأهل بالرزق يعم الكافر والمؤمن ، وقد تبرأ من الكافرين وما يعبدونه ، قال تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ( التوبة / 114 ) ، فشهد تعالى له بالبراءة والتبري عن كل عدو للّه ، حتى أبيه ، ولذلك لما استشعر ما استشعره من عموم دعوته قيدها بقوله من آمن منهم - وهو يعلم أن رزقهم من الثمرات لا يتم من دون شركة الكافرين ، على ما يحكم به ناموس الحياة الدنيوية