السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
138
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قبال الخلق الذي هو وجه آخر من وجهي الأشياء ، فيه التغير والتدريج والانطباق على قوانين الحركة والزمان ، وليكن هذا عندك على إجماله حتى يأتيك تفصيله إنشاء اللّه العزيز . وبالجملة فالامام هاد يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه ، فالإمامة بحسب الباطن نحو ولاية للناس في أعمالهم ، وهدايتها إيصالها إياهم إلى المطلوب بأمر اللّه دون مجرد إراءة الطريق الذي هو شأن النبي والرسول وكل مؤمن يهدي إلى اللّه سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ( إبراهيم / 4 ) ، وقال تعالى : في مؤمن آل فرعون ، وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( المؤمن / 38 ) ، وقال تعالى : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( التوبة / 122 ) ، وسيتضح لك هذا المعنى مزيد اتضاح . ثم إنه تعالى بين سبب موهبة الإمامة بقوله : لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ الآية ؛ فبين ان الملاك في ذلك صبرهم في جنب اللّه - وقد أطلق الصبر - فهو في كل ما يبتلي ويمتحن به عبد في عبوديته ، وكونهم قبل ذلك موقنين ، وقد ذكر في جملة قصص إبراهيم عليه السّلام قوله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( الأنعام / 75 ) ، والآية كما ترى تعطي بظاهرها : أن إراءة الملكوت لإبراهيم كانت مقدمة لإفاضة اليقين عليه ، ويتبيّن به أنّ اليقين لا ينفك عن مشاهدة الملكوت كما هو ظاهر قوله تعالى : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( التكاثر / 6 ) ، وقوله تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ، كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ - إلى أن قال - كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ، وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ( المطففين / 21 ) ، وهذه الآيات تدل على أن المقربين هم الذين لا يحجبون عن ربهم بحجاب قلبيّ وهو المعصية والجهل والريب والشك ، فهم أهل اليقين باللّه ، وهم يشهدون عليين كما يشهدون الجحيم .