السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
116
مختصر الميزان في تفسير القرآن
تعالى : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ فسليمان عليه السّلام أعلى كعبا وأقدس ساحة من أن ينسب اليه السحر والكفر وقد استعظم اللّه قدره في مواضع من كلامه في عدة من السور المكية النازلة قبل هذه السورة كسورة الانعام والأنبياء والنمل وسورة ( ص ) وفيها أنه كان عبدا صالحا ونبيا مرسلا آتاه اللّه العلم والحكمة ووهب له من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده فلم يكن بساحر بل هو من القصص الخرافية والأساطير التي وضعتها الشياطين وتلوها وقرؤها على أوليائهم من الإنس وكفروا بإضلالهم الناس بتعليم السحر . ورد عليهم القرآن في الملكين ببابل هاروت وماروت بأنه وإن انزل عليهما ذلك ولا ضير في ذلك لأنه فتنة وامتحان إلهي كما ألهم قلوب بني آدم وجوه الشر والفساد فتنة وامتحانا وهو من القدر ، فهما وإن أنزل عليهما السحر إلّا أنهما ما كانا يعلمان من أحد إلّا ويقولان له إنما نحن فتنة فلا تكفر باستعمال ما تتعلمه من السحر في غير مورده كإبطال السحر والكشف عن بغي أهله وهم مع ذلك يتعلمون منهما ما يفسدون به اصلح ما وضعه اللّه في الطبيعة والعادة ، فيفرقون به بين المرء وزوجه ابتغاء للشر والفساد ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ، فقوله تعالى : وَاتَّبَعُوا أي اتبعت اليهود الذين بعد عهد سليمان بتوارث الخلف عن السلف ما تتلوا ، أي تضع وتكذب الشياطين من الجن على ملك سليمان والدليل على أن تتلوا بمعنى تكذب تعديه بعلى وعلى أن الشياطين هم الجن كون هؤلاء تحت تسخير سليمان ومعذبين بعذابه ، وبذلك كان عليه السّلام يحبسهم عن الإفساد ، قال تعالى : وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ( الأنبياء / 82 ) ، وقال تعالى : فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ( سبأ / 14 ) . قوله تعالى : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ، أي والحال أن سليمان لم يسحر حتى يكفر ولكن الشياطين كفروا ، والحال انهم يضلون الناس ويعلمونه السحر . قوله تعالى : وَما أُنْزِلَ ، اي واتبعت اليهود ما انزل بالإخطار والإلهام على الملكين