السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

104

مختصر الميزان في تفسير القرآن

تذكر أولا الميثاق وهو أخذ للعهد ، ولا يكون إلّا بالقول ، ثم تحكي ما أخذ عليه الميثاق فتبتدئ فيه بالخبر ، حيث تقول : لا تعبدون إلّا اللّه ، وتختتم بالإنشاء حيث تقول وقولوا للناس حسنا ، الخ . ولعل الوجه في ذلك كله أن الآيات المتعرضة لحال بني إسرائيل لما بدئت بالخطاب لمكان اشتمالها على التقريع والتوبيخ وجرت عليه كان سياق الكلام فيها الخطاب ثم لما تبدل الخطاب بالغيبة بعد قصة البقرة لنكتة داعية إليها كما مر حتى انتهت إلى هذه الآية ، فبدئت أيضا بالغيبة لكن الميثاق حيث كان بالقول وبنى على حكايته حكى بالخطاب فقيل : لا تعبدون إلّا اللّه ، الخ ؛ وهو نهى في صورة الخبر . وإنما فعل ذلك دلالة على شدة الاهتمام به ، كأن الناهي لا يشك في عدم تحقق ما نهى عنه في الخارج ، ولا يرتاب في أن المكلف المأخوذ عليه الميثاق سوف لا ينتهي عن نهيه ، فلا يوقع الفعل قطعا وكذا قوله : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ ، كل ذلك أمر في صورة الخبر . ثم إن الانتقال إلى الخطاب من قبل الحكاية أعطى فرصة للانتقال إلى أصل الكلام ، وهو خطاب بني إسرائيل لمكان الاتصال في قوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ، الخ ؛ وانتظم بذلك السياق . قوله تعالى : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، امر أو خبر بمعنى الامر والتقدير وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، وذي القربى واليتامى والمساكين ، أو التقدير : وتحسنون بالوالدين إحسانا ، الخ ؛ وقد رتب موارد الإحسان أخذا من الأهم والأقرب إلى المهم والأبعد فقرابة الانسان أقرب إليه من غيرهم ، والوالدان وهما الأصل الذي تتكي عليه وتقوم به شجرة وجوده أقرب من غيرهما من الأرحام ، وفي غير القرابة أيضا اليتامى أحق بالإحسان لصغرهم وفقدهم من يقوم بأمرهم من المساكين . هذا وقوله : وَالْيَتامى ، اليتيم من مات أبوه ، ولا يقال لمن ماتت أمه يتيم . وقيل اليتيم في الإنسان إنما تكون من جهة الأب وفي غير الإنسان من سائر الحيوان من جهة الأم وقوله تعالى : وَالْمَساكِينِ ، جمع مسكين وهو الفقير العادم