السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

85

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الحياة الآخرة نوع حياة دنيوية يطرّد فيها قانون الأسباب ويحكم فيها ناموس التأثير والتأثر المادي الطبيعي ، فيقدمون إلى آلهتهم أنواع القرابين والهدايا للصفح عن جرائمهم أو الإمداد في حوائجهم ، أو يستشفعون بها ، أو يفدون بشيء عن جريمة أو يستنصرون بنفس أو سلاح حتى أنهم كانوا يدفنون مع الأموات أنواع الزخرف والزينة ، ليكون معهم ما يتمتعون به في آخرتهم ، ومن أنواع السلاح ما يدافعون به عن أنفسهم ، وربما ألحدوا معه من الجواري من يستأنس بها ، ومن الأبطال من يستنصر به الميت ، وتوجد اليوم في المتاحف بين الآثار الأرضية عتائق كثيرة من هذا القبيل ، ويوجد عقائد متنوعة شبيهة بتلك العقائد بين الملل الإسلامية على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ، بقيت بينهم بالتوارث ، ربما تلونت لونا بعد لون ، جيلا بعد جيل ، وقد أبطل القرآن جميع هذه الآراء الواهية ، والأقاويل الكاذبة ، فقد قال عزّ من قائل : وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( الانفطار / 19 ) ، وقال : وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ( البقرة / 166 ) ، وقال : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ ، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( الأنعام / 94 ) ، وقال : هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( يونس / 30 ) ، إلى غير ذلك من الآيات التي بين فيها : ان الموطن خال عن الأسباب الدنيوية ، وبمعزل عن الارتباطات الطبيعية ، وهذا أصل يتفرع عليه بطلان كل واحد من تلك الأقاويل والأوهام على طريق الإجمال ، ثم فصل القول في نفي واحد واحد منها وإبطاله فقال : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( البقرة / 48 ) ، وقال : يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ، وَلا خُلَّةٌ ، وَلا شَفاعَةٌ ( البقرة / 254 ) ، وقال : يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً ( الدخان / 41 ) ، وقال : يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ( المؤمنون / 33 ) ، وقال : ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ