الشيخ محمد السبزواري النجفي
355
الجديد في تفسير القرآن المجيد
التراب طبعا بارد يابس ، والحياة حارّة رطبة . وكذلك من حيث لونه فإن التراب جسم كدر ، والرّوح التي هي مدار الحياة جسم نيّر ، والتراب ثقيل والرّوح خفيفة ، والتراب كثيف والرّوح لطيفة . ومن حيث السكون فإن التراب بعيد عن الحركة غاية البعد ، والحيوان متحرّك إلى جميع جهاته حسب طبيعته . فظهر أنّ التراب أبعد العناصر مادة عن قبول الحياة حيث بينهما تضادّ بخلاف الماء فإن فيه الصّفاء والرّطوبة والحركة لأنه جسم سيّال رطب طبعا . وكلّ صفاته على طبع الأرواح ملائمة لها . والنار أيضا قريبة إلى الحياة لأنها كالحركة الغريزيّة التي تولّد الحرارة الغريزيّة ، وهي منضجة جامعة مفرّقة ، وكذا الهواء أيضا ، فهو أقرب إلى الرّوح والحياة لخفّته وصفائه ولطافته . فهو جلّ وعلا خلق آدم من أبعد الأشياء عن مرتبة الحياة وجعله حيّا لإظهار كمال القدرة وغاية الحكمة وهو عليه السلام في أعلى المراتب من الأجسام والنبات والحيوان . وكيف لا يكون كذلك وهو المسبّح والحامد والمهلّل والمكبّر ، وقد شابه الملائكة في التسبيح والتحميد بل كان أعلى منهم مرتبة لأنه أعلم منهم . فهذه الخلقة أعلى الآيات والشواهد على ربوبيّته ووحدانيّته وقدرته وحكمته ، فاللّهم عرّفنا نفسك ونبيّك ووليّك . 21 - وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ . . . أي أبدع وأوجد لكم ( زوجات ) كانت مماثلة ومشاكلة لكم ومن جنسكم ، لأن الجنس إلى الجنس أميل وآنس ، ويمكن أن يكون المراد بكون الأزواج من أنفسكم هو حوّاء بناء على خلقها من ضلع آدم ، ثم خلقت النساء بعد ذلك من النّطف الخارجة من أصلاب الرّجال ، فهنّ مخلوقات من أنفس الرجال حدوثا وبقاء لِتَسْكُنُوا إِلَيْها أي لتستأنسوا بها وتميلوا إليها بحكم السنخية الحاصلة من اتّحاد الجنس والمماثلة ، كما أن الاختلاف في الجنس سبب للتنافر والتنازع وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً أي أحدث وأوجد بواسطة الزّواج بينكم وبين أزواجكم ، بل بين عشيرتكم وعشيرة الأزواج ببركة الزواج توادّا وتحابّا حتى لو كان بين العشيرتين قبل حدوث الزواج تخاصم وتنازع ،