الغزالي

86

إحياء علوم الدين

القدرة والحكمة تبهرك عجائب الحضرة الربانية والعجب كل العجب ممن يرى خطَّا حسنا ، أو نقشا حسنا على حائط فيستحسنه ، فيصرف جميع همه إلى التفكر في النقاش والخطاط ، وأنه كيف نقشه وخطه وكيف اقتدر عليه ، ولا يزال يستعظمه في نفسه ويقول ما أحذقه ، وما أكمل صنعته وأحسن قدرته ، ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ، ثم يغفل عن صانعه ومصوره ، فلا تدهشه عظمته ، ولا يحيره جلاله وحكمته . فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها ، فهو أقرب مجال لفكرك ، وأجلى شاهد على عظمة خالقك ، وأنت غافل عن ذلك ، مشغول ببطنك وفرجك ، لا تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل ، وتشبع فتنام ، وتشتهي فتجامع ، وتغضب فتقاتل ، والبهائم كلها تشاركك في معرفة ذلك وإنما خاصية الإنسان التي حجبت البهائم عنها ، معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السماوات والأرض ، وعجائب الآفاق والأنفس ، إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين ويحشر في زمرة النبيين والصديقين مقربا من حضرة رب العالمين . وليست هذه المنزلة للبهائم ، ولا لإنسان رضي من الدنيا بشهوات البهائم ، فإنه شر من البهائم بكثير إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك ، وأما هو فقد خلق الله له القدرة ثم عطلها ، وكفر نعمة الله فيها ، فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك ، ثم في أنهارها ، وبحارها ، وجبالها ، ومعادنها ، ثم ارتفع منها إلى ملكوت السماوات [ طريق الفكر في الأرض ] أما الأرض فمن آياته أن خلق الأرض فراشا ومهادا ، وسلك فيها سبلا فجاجا ، وجعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها ، وجعلها قارة لا تتحرك ، وأرسى فيها الجبال أوتادا لها تمنعها من أن تميد ، ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها وإن طالت أعمارهم وكثر تطوافهم ، فقال تعالى * ( والسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وإِنَّا لَمُوسِعُونَ والأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ) * « 1 » وقال تعالى * ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا في مَناكِبِها ) * « 2 » وقال تعالى * ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً ) * « 3 »

--> « 1 » الذاريات : 47 ، 48 « 2 » الملك : 15 « 3 » البقرة : 22