الغزالي
80
إحياء علوم الدين
* ( ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناه ُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ) * « 1 » الآية فتكرير ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظه ويترك التفكر في معناه فانظر الآن إلى النطفة وهي قطرة من الماء قذرة ، لو تركت ساعة ليضر بها الهواء فسدت وأنتنت ، كيف أخرجها رب الأرباب من الصلب والترائب ، وكيف جمع بين الذكر والأنثى وألقى الألفة والمحبة في قلوبهم ، وكيف قادهم بسلسلة المحبة والشهوة إلى الاجتماع ، وكيف استخرج النطفة من الرجل بحركة الوقاع وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه في الرحم ، ثم كيف خلق المولود من النطفة ، وسقاه بماء الحيض وغذّاه حتى نما وربا وكبر ، وكيف جعل النطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء ، ثم كيف جعلها مضغة ، ثم كيف قسم أجزاء النطفة وهي متشابهة متساوية إلى العظام ، والأعصاب ، والعروق ، والأوتار واللحم ، ثم كيف ركب من اللحوم ، والأعصاب ، والعروق الأعضاء الظاهرة ، فدوّر الرأس ، وشق السمع ، والبصر ، والأنف ، والفم وسائر المنافذ ، ثم مدّ اليد والرجل وقسم رؤسها بالأصابع ، وقسم الأصابع بالأنامل ، ثم كيف ركب الأعضاء الباطنة من القلب ، والمعدة ، والكبد ، والطحال ، والرئة ، والرحم ، والمثانة ، والأمعاء ، كل واحد على شكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص ، ثم كيف قسم كل عضو من هذه الأعضاء بأقسام أخر ، فركب العين من سبع طبقات لكل طبقة وصف مخصوص وهيئة مخصوصة لو فقدت طبقة منها أو زالت صفة من صفاتها تعطلت العين عن الإبصار . فلو ذهبنا إلى أن نصف ما في آحاد هذه الأعضاء من العجائب والآيات لا نقضي فيه الأعمار ، فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام صلبة قوية كيف خلقها من نطفة سخيفة رقيقة ، ثم جعلها قواما للبدن وعمادا له ، ثم قدرها بمقادير مختلفة وأشكال مختلفة ، فمنه صغير ، وكبير ، وطويل ، ومستدير ، ومجوف ، ومصمت ، وعريض ، ودقيق ولما كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه ، مفتقرا للتردد في حاجاته ، لم يجعل عظمه عظما واحدا ، بل عظاما كثيرة بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة وقدّر شكل كل واحدة منها على وفق الحركة المطلوبة بها ، ثم وصل مفاصلها ، وربط بعضها ببعض
--> « 1 » المؤمنون : 12 ، 13 ، 14