الغزالي
72
إحياء علوم الدين
فإنّك مفارقه وعش ما شئت فإنّك ميّت واعمل ما شئت فإنّك مجزىّ به « فإن هذه الكلمات جامعة حكم الأولين والآخرين ، وهي كافية للمتأملين فيها طول العمر ، إذ لو وقفوا على معانيها وغلبت على قلوبهم غلبة يقين لاستغرقتهم ، ولحال ذلك بينهم وبين التلفت إلى الدنيا بالكلية . فهذا هو طرق الفكر في علوم المعاملة وصفات العبد من حيث هي محبوبة عند الله تعالى أو مكروهة . والمبتدئ ينبغي أن يكون مستغرق الوقت في هذه الأفكار حتى يعمر قلبه بالأخلاق المحمودة والمقامات الشريفة ، وينزه باطنه وظاهره عن المكاره ، وليعلم أن هذا مع أنه أفضل من سائر العبادات فليس هو له غاية المطلب ، بل المشغول به محجوب عن مطلب الصديقين ، وهو التنعم بالفكر في جلال الله تعالى وجماله ، واستغراق القلب بحيث يفنى عن نفسه ، أي ينسى نفسه ، وأحواله ، ومقاماته ، وصفاته ، فيكون مستغرق الهم بالمحبوب ، كالعاشق المستهتر عند لقاء الحبيب ، فإنه لا يتفرغ للنظر في أحوال نفسه وأوصافها ، بل يبقى كالمبهوت الغافل عن نفسه ، وهو منتهى لذة العشاق فأما ما ذكرناه فهو تفكر في عمارة الباطن ليصلح للقرب والوصال ، فإذا ضيّع جميع عمره في إصلاح نفسه فمتى يتنعم بالقرب ؟ ولذلك كان الخوّاص يدور في البوادي ، فلقيه الحسين بن منصور وقال : فيم أنت ؟ قال : أدور في البوادي أصلح حالي في التوكل فقال الحسين : أفنيت عمرك في عمران باطنك ، فأين الفناء في التوحيد ؟ فالفناء في الواحد الحق هو غاية مقصد الطالبين ، ومنتهى نعيم الصديقين . وأما التنزه عن الصفات المهلكات فيجري مجرى الخروج عن العدة في النكاح . وأما الاتصاف بالصفات المنجيات وسائر الطاعات فيجري مجرى تهيئة المرأة جهازها ؟ وتنظيفها وجهها ومشطها شعرها ، لتصلح بذلك للقاء زوجها . فإن استغرقت جميع عمرها في تبرئة الرحم وتزيين الوجه ، كان ذلك حجابا لها عن لقاء المحبوب فهكذا ينبغي أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة وإن كنت كالعبد السوء لا يتحرك إلا خوفا من الضرب وطمعا في الأجرة ، فدونك وإتعاب البدن بالأعمال الظاهرة ، فإن بينك وبين القلب حجابا كثيفا ، فإذا قضيت حق الأعمال كنت من أهل الجنة . ولكن للمجالسة أقوام آخرون