الغزالي

59

إحياء علوم الدين

في كتاب الله تعالى على التدبّر والاعتبار ، والنظر والافتكار . ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار ، ومبدأ الاستبصار ، وهو شبكة العلوم ، ومصيدة المعارف والفهوم . وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته ، لكن جهلوا حقيقته وثمرته ، ومصدره ومورده ، ومجراه ومسرحه وطريقه وكيفيته . ولم يعلم أنه كيف يتفكر ، وفيما ذا يتفكر ، ولما ذا يتفكر ، وما الذي يطلب به ، أهو مراد لعينه أم لثمرة تستفاد منه ، فإن كان لثمرة فما تلك الثمرة ، أهي من العلوم ، أو من الأحوال ، أو منهما جميعا . وكشف جميع ذلك مهم . ونحن نذكر أولا فضيلة التفكر ، ثم حقيقة التفكر وثمرته ، ثم مجاري الفكر ومسارحه إن شاء الله تعالى فضيلة التفكر قد أمر الله تعالى بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى ، وأثنى على المتفكرين فقال تعالى * ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ) * « 1 » وقد قال [ 1 ] ابن عباس رضي الله عنهما : إن قوما تفكروا في الله عز وجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم « تفكَّروا في خلق الله ولا تتفكَّروا في الله فإنّكم لن تقدروا قدره » وعن النبي صلى الله عليه وسلم [ 2 ] ، أنه خرج على قوم ذات يوم وهم يتفكرون فقال « ما لكم لا تتكلَّمون » فقالوا : نتفكر في خلق الله عز وجل . قال « فكذلك فافعلوا تفكَّروا في خلقه ولا تتفكَّروا فيه فإنّ بهذا المغرب أرضا بيضاء نورها بياضها وبياضها نورها مسيرة الشّمس أربعين يوما بها خلق من خلق الله عزّ وجلّ لم يعصوا الله طرفة عين » قالوا يا رسول الله ، فأين الشيطان منهم ؟ قال « ما يدرون خلق الشّيطان

--> « 1 » آل عمران 191