الغزالي

50

إحياء علوم الدين

ومجاهداتك أيضا هو مستغن عنها ، وإنما هي طريقك إلى نجاتك . فمن أحسن فلنفسه ، ومن أساء فعليها ، والله غني عن العالمين . ويحك يا نفس انزعى عن جهلك ، وقيسى آخرتك بدنياك ، فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ، وكما بدأنا أول خلق نعيده ، وكما بدأكم تعودون ، وسنة الله تعالى لا تجدين لها تبديلا ولا تحويلا . ويحك يا نفس ما أراك إلا ألفت الدنيا وأنست بها ، فعسر عليك مفارقتها وأنت مقبلة على مقاربتها ، وتؤكدين في نفسك مودتها ، فاحسبي أنك غافلة عن عقاب الله وثوابه ، وعن أهوال القيامة وأحوالها ، فما أنت مؤمنة بالموت المفرق بينك وبين محابك . أفترين أن من يدخل دار ملك ليخرج من الجانب الآخر ، فمدّ بصره إلى وجه مليح يعلم أنه يستغرق ذلك قلبه ، ثم يضطر لا محالة إلى مفارقته ، أهو معدود من العقلاء أم من الحمقى ، أما تعلمين أن الدنيا دار لملك الملوك ، ومالك فيها إلا مجاز ، وكل ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت ، ولذلك قال سيد البشر صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت فإنّك مفارقه واعمل ما شئت فإنّك مجزىّ به وعش ما شئت فإنّك ميّت » ويحك يا نفس أتعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا . ويأنس بها مع أن الموت من ورائه ، فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة ، وإنما يتزوّد من السم المهلك وهو لا يدرى أو ما تنظرين إلى الذين مضوا كيف بنوا وعلوا ، ثم ذهبوا وخلوا ، وكيف أورث الله أرضهم وديارهم أعداءهم ؟ أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون ، ويبنون ما لا يسكنون ويؤملون ما لا يدركون ؟ يبنى كل واحد قصرا مرفوعا إلى جهة السماء ، ومقره قبر محفور تحت الأرض . فهل في الدنيا حمق وانتكاس أعظم من هذا ؟ يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينا ، ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعا ؟ أما تستحيين يا نفس من مساعدة هؤلاء الحمقى على حماقتهم ؟ واحسبي أنك لست ذات بصيرة تهتدى إلى هذه الأمور ، وإنما تميلين بالطبع إلى التشبه والافتداء ، فقيسى عقل الأنبياء ، والعلماء ، والحكماء ، بعقل هؤلاء المكبين على الدنيا