الغزالي

44

إحياء علوم الدين

بإحسانه ، أن يستعفنى عند مماتي بغفرانه . إلهي كيف أيأس من حسن نظرك بعد مماتي ، ولم تولني إلا الجميل في حياتي . إلهي إن كانت ذنوبي قد أخافتنى ، فإن محبتي لك قد أجارتنى ، فتولّ من أمري ما أنت أهله ، وعد بفضلك على من غره جهله . إلهي لو أردت إهانتى لما هديتني ، ولو أردت فضيحتي لم تسترني ، فمتعني بما له هديتني ، وأدم لي ما به سترتني . إلهي ما أظنك تردني في حاجة أفنيت فيها عمري . إلهي لولا ما قارفت من الذنوب ما خفت عقابك ، ولولا ما عرفت من كرمك ما رجوت ثوابك وقال الخواص : دخلنا على رحلة العابدة ، وكانت قد صامت حتى اسودت ، وبكت حتى عميت ، وصلت حتى أقعدت ، وكانت تصلي قاعدة . فسلمنا عليها ، ثم ذكَّرناها شيئا من العفو ليهون عليها الأمر ، قال فشهقت ثم قالت : علمي بنفسي قرّح فؤادي وكلم كبدي . والله لوددت أن الله لم يخلقني ولم أك شيئا مذكورا . ثم أقبلت على صلاتها فعليك إن كنت من المرابطين المراقبين لنفسك أن تطالع أحوال الرجال والنساء من المجتهدين ، لينبعث نشاطك ، ويزيد حرصك . وإياك أن تنظر إلى أهل عصرك ، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله . وحكايات المجتهدين غير محصورة ، وفيما ذكرناه كفاية للمعتبر . وإن أردت مزيدا فعليك بالمواظبة على مطالعة كتاب حلية الأولياء ، فهو مشتمل على شرح أحوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وبالوقوف عليه يستبين لك بعدك وبعد أهل عصرك من أهل الدين فإن حدثتك نفسك بالنظر إلى أهل زمانك ، وقالت إنما تيسر الخير في ذلك الزمان لكثرة الأعوان ، والآن فإن خالفت أهل زمانك رأوك مجنونا ، وسخروا بك ، فوافقهم فيما هم فيه وعليه ، فلا يجرى عليك إلا ما يجرى عليهم ، والمصيبة إذا عمت طابت . فإياك أن تتدلى بحبل غرورها ، وتنخدع بتزويرها ، وقل لها : أرأيت لو هجم سيل جارف يغرق أهل البلد ، وثبتوا على مواضعهم ، ولم يأخذوا حذرهم لجهلهم بحقيقة الحال ، وقدرت أنت على أن تفارقيهم وتركبي في سفينة تتخلصين بها من الغرق ، فهل يحتاج في نفسك أن المصيبة إذا عمت طابت ؟ أم تتركين موافقتهم ، وتستجهلينهم في صنيعهم ، وتأخذين حذرك مما دهاك ! فإذا كنت تتركين موافقتهم خوفا من الغرق ، وعذاب الغرق لا يتمادى إلا ساعة ، فكيف