الغزالي

42

إحياء علوم الدين

ولكن قولي بحبي لك ، فقالت : لا ، يا مولاي بحبه لي أخرجني من الشرك إلى الإسلام ، وبحبه لي أيقظ عيني وكثير من خلقه نيام وقال أبو هاشم القرشي : قدمت علينا امرأة من أهل اليمن يقال لها سرية ، فنزلت في بعض ديارنا ، قال فكنت أسمع لها من الليل أنينا وشهيقا ، فقلت يوما لخادم لي : أشرف على هذه المرأة ما ذا تصنع . قال فأشرف عليها فما رآها تصنع شيئا غير أنها لا ترد طرفها عن السماء وهي مستقبلة القبلة تقول : خلقت سرية ، ثم غذيتها بنعمتك من حال إلى حال ، وكل أحوالك لها حسنة ، وكل بلائك عندها جميل ، وهي مع ذلك متعرضة لسخطك بالتوثب على معاصيك فلتة بعد فلتة ، أتراها تظن أنك لا ترى سوء فعالها وأنت عليم خبير ، وأنت على كل شيء قدير . وقال ذو النون المصري : خرجت ليلة من وادي كنعان ، فلما علوت الوادي إذا سواد مقبل عليّ وهو يقول * ( وبَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) * « 1 » ويبكى . فلما قرب منى السواد إذا هي امرأة عليها جبة صوف ، وبيدها ركوة ، فقالت لي : من أنت ؟ غير فزعة منى . فقلت رجل غريب . فقالت يا هذا ، وهل يوجد مع الله غربة ؟ قال فبكيت لقولها . فقالت لي : ما الذي أبكاك ؟ فقلت قد وقع الدواء على داء قد قرح فأسرع في نجاحه قالت : فإن كنت صادقا فلم بكيت ؟ قلت . يرحمك الله والصادق لا يبكى ؟ قالت : لا . قلت : ولم ذاك ؟ قالت لأن البكاء راحة القلب . فسكتّ متعجبا من قولها وقال أحمد بن عليّ : استأذنا على عفيرة فحجبتنا ، فلازمنا الباب ، فلما علمت ذلك قامت لتفتح الباب لنا ، فسمعتها وهي تقول : اللهم إني أعوذ بك ممن جاء يشغلني عن ذكرك . ثم فتحت الباب ودخلنا عليها ، فقلنا لها : يا أمة الله ادعي لنا ، فقالت ، جعل الله قراكم في بيتي المغفرة ، ثم قالت لنا . مكث عطاء السلمي أربعين سنة ، فكان لا ينظر إلى السماء . فحانت منه نظرة ، فخر مغشيا عليه ، فأصابه فتق في بطنه . فيا ليت عفيرة إذا رفعت رأسها لم تعص ، ويا ليتها إذا عصت لم تعد . وقال بعض الصالحين : خرجت يوما إلى السوق ومعي جارية حبشية ، فاحتبستهما

--> « 1 » الزمر : 43