الغزالي
30
إحياء علوم الدين
فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها ، ويلزمها ، فنونا من الوظائف جبرا لما فات منه ، وتداركا لما فرط ، فهكذا كان يعمل عمال الله تعالى . فقد عاقب عمر بن الخطاب نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة ، بأن تصدق بأرض كانت له قيمتها مائتا ألف درهم وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة في جماعة أحيا تلك الليلة . وأخر ليلة صلاة المغرب حتى طلع كوكبان ، فأعتق رقبتين . وفات ابن أبي ربيعة ركعتا الفجر . فأعتق رقبة . وكان بعضهم يجعل على نفسه صوم سنة ، أو الحج ماشيا ، أو التصدق بجميع ماله ، كل ذلك مرابطة للنفس ومؤاخذة لها بما فيه نجاتها فإن قلت : إن كانت نفسي لا تطاوعني على المجاهدة والمواظبة على الأوراد ، فما سبيل معالجتها ؟ فأقول : سبيلك في ذلك أن تسمعها ما ورد في الأخبار من فضل المجتهدين [ 1 ] ومن أنفع أسباب العلاج أن تطلب صحبة عبد من عباد الله مجتهد في العبادة ، فتلاحظ أقواله وتقتدي به . وكان بعضهم يقول : كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع ، وإلى اجتهاده ، فعملت على ذلك أسبوعا . إلا أن هذا العلاج قد تعذر ، إذ قد فقد في هذا الزمان من يجتهد في العبادة اجتهاد الأوّلين ، فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع ، فلا شيء أنفع من سماع أحوالهم ، ومطالعة أخبارهم وما كانوا فيه من الجهد الجهيد ، وقد انقضى تعبهم ، وبقي ثوابهم ونعيمهم أبد الآباد لا ينقطع ، فما أعظم ملكهم ، وما أشد حسرة من لا يقتدى بهم ، فيمتع نفسه أياما قلائل بشهوات مكدرة ، ثم يأتيه الموت ، ويحال بينه وبين كل ما يشتهيه أبد الآباد ! نعوذ باللَّه تعالى من ذلك ونحن نورد من أوصاف المجتهدين وفضائلهم ما يحرك رغبة المريد في الاجتهاد اقتداء بهم . فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « رحم الله أقواما يحسبهم النّاس مرضى