الغزالي
165
إحياء علوم الدين
الباب السادس في أقاويل العارفين على الجنائز والمقابر وحكم زيارة القبور اعلم أن الجنائز عبرة للبصير ، وفيها تنبيه وتذكير لأهل الغفلة ، فإنها لا تزيدهم مشاهدتها إلا قساوة ، لأنهم يظنون أنهم أبدا إلى جنازة غيرهم ينظرون ، ولا يحسبون أنهم لا محالة على الجنائز يحملون ، أو يحسبون ذلك ولكنهم على القرب لا يقدرون ، ولا يتفكرون أن المحمولين على الجنائز هكذا كانوا يحسبون ، فبطل حسبانهم ، وانقرض على القرب زمانهم . فلا ينظر عبد إلى جنازة إلا ويقدّر نفسه محمولا عليها ، فإنه محمول عليها على القرب ، وكأن قد ، ولعله في غد أو بعد غد ، ويروى عن أبي هريرة أنه كان إذا رأى جنازة قال . امضوا فإنّا على الأثر وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال . اغدوا فإنا رائحون ، موعظة بليغة وغفلة سريعة ، يذهب الأوّل والآخر لا عقل له . وقال أسيد بن حضير . ما شهدت جنازة فحدثتني نفسي بشيء سوى ما هو مفعول به وما هو صائر إليه ولما مات أخو مالك بن دينار . خرج مالك في جنازته يبكى ويقول : والله لا تقرّ عيني حتى أعلم إلى ما ذا صرت إليه ، ولا أعلم ما دمت حيا . وقال الأعمش . كنا نشهد الجنائز فلا ندري من نعزّى لحزن الجميع وقال ثابت البناني . كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا متقنعا باكيا فهكذا كان خوفهم من الموت ، والآن لا ننظر إلى جماعة يحضرون جنازة إلا وأكثرهم يضحكون ويلهون ، ولا يتكلمون إلا في ميراثه وما خلَّفه لورثته ، ولا يتفكر أقرانه وأقاربه إلا في الحيلة التي بها يتناول بعض ما خلَّفه ، ولا يتكفر واحد منهم إلا ما شاء الله في جنازة نفسه ، وفي حاله إذا حمل عليها . ولا سبب لهذه الغفلة إلا قسوة القلوب بكثرة المعاصي والذنوب ، حتى نسينا الله تعالى واليوم الآخر ، والأهوال التي بين أيدينا ، فصرنا نلهو ، ونغفل ، ونشتغل بما لا يعنينا ، فنسأل الله تعالى اليقظة من هذه الغفلة ، فإن أحسن أحوال الحاضرين على الجنائز بكاؤهم على الميت ، ولو عقلوا لبكوا على أنفسهم لا على الميت نظر إبراهيم الزيات إلى أناس يترحمون على الميت ، فقال لو ترحّمون على أنفسكم لكان خيرا لكم ، إنه نجا من أهوال ثلاثة . وجه ملك الموت وقد رأى ، ومرارة الموت وقد ذاق