الغزالي

158

إحياء علوم الدين

الباب الخامس في كلام المحتضرين من الخلفاء والأمراء والصالحين لما حضرت معاوية بن أبي سفيان الوفاة قال : أقعدونى . فأقعد ، فجعل يسبح الله تعالى ويذكره ، ثم بكى وقال : تذكر ربك يا معاوية بعد الهرم والانحطاط ، ألا كان هذا وغصن الشباب نضر ريان ! وبكى حتى علا بكاؤه وقال : يا رب ارحم الشيخ العاصي ، ذا القلب القاسي . اللهم أقل العثرة ، واغفر الزلة ، وعد بحلمك على من لم يرج غيرك ، ولم يثق بأحد سواك . وروي عن شيخ من قريش ، أنه دخل مع جماعة عليه في مرضه ، فرأوا في جلده غضونا . فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فهل الدنيا أجمع إلا ما جربنا ورأينا ، أما والله لقد استقبلنا زهرتها بجدتنا ، وباستلذاذنا بعيشنا ، فما لبثتنا الدنيا أن نقضت ذلك منا حالا بعد حال ، وعروة بعد عروة ، فأصبحت الدنيا وقد وترتنا وأخلقتنا ، واستلأمت إلينا . أف للدنيا من دار ، ثم أف لها من دار ويروى أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال : أيها الناس ، إني من زرع قد استحصد ، وإني قد وليتكم ، ولن يليكم أحد من بعدي إلا وهو شر منى ، كما كان من قبلي خيرا منى . ويا يزيد ، إذا وفى أجلى فولّ غسلي رجلا لبيبا ، فإن اللبيب من الله بمكان ، فلينعم الغسل ، وليجهر بالتكبير . ثم أعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقراضة من شعره وأظفاره ، فاستودع القراضة أنفى ، وفمي ، وأذنى ، وعيني ، واجعل الثوب على جلدي دون أكفانى . ويا يزيد ، احفظ وصية الله في الوالدين ، فإذا أدرجتمونى في جديدي ، ووضعتموني في حفرتي ، فخلوا معاوية وأرحم الراحمين وقال محمد بن عقبة : لما نزل بمعاوية الموت قال : يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوي ، وأنى لم أل من هذا الأمر شيئا . ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة ، نظر إلى غسال بجانب دمشق يلوى ثوبا بيده ، ثم يضرب به المغسلة ، فقال عبد الملك : ليتني كنت غسالا آكل من كسب يدي يوما بيوم ، ولم أل من أمر الدنيا شيئا . فبلغ ذلك أبا حازم فقال : الحمد لله الذي جعلهم إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه ، وإذا حضرنا