الغزالي

139

إحياء علوم الدين

الملك فيه أهلا وعشيرا ؟ وهل سامحه إذ كان للحق نصيرا ، وللخلق بشيرا ونذيرا ؟ هيهات ، بل امتثل ما كان به مأمورا ، واتبع ما وجده في اللوح مسطورا . فهذا كان حاله وهو عند الله ذو المقام المحمود ، والحوض المورود . وهو أول من تنشق عنه الأرض ، وهو صاحب الشفاعة يوم العرض . فالعجب أنا لا نعتبر به ، ولسنا على ثقة فيما نلقاه . بل نحن أسراء الشهوات ، وقرناء المعاصي والسيئات ، فما بالنا لا نتعظ بمصرع محمد سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وحبيب رب العالمين ؟ لعلنا نظنّ أننا مخلدون ، أو نتوهم أنا مع سوء أفعالنا عند الله مكرمون ، هيهات هيهات ، بل نتيقن أنا جميعا على النار واردون ، ثم لا ينجو منها إلا المتقون . فنحن للورود مستيقنون ، وللصدور عنها متوهمون . لا بل ظلمنا أنفسنا إن كنا كذلك لغالب الظن منتظرين ، فما نحن والله من المتقين . وقد قال الله رب العالمين * ( وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ) * « 1 » فلينظر كل عبد إلى نفسه أنه إلى الظالمين أقرب أم إلى المتقين . فانظر إلى نفسك بعد أن تنظر إلى سيرة السلف الصالحين ، فلقد كانوا مع ما وفقوا له من الخائفين ثم انظر إلى سيد المرسلين ، فإنه كان من أمره على يقين ، إذ كان سيد النبيين ، وقائد المتقين . واعتبر كيف كان كربه عند فراق الدنيا ، وكيف اشتدّ أمره عند الانقلاب إلى جنة المأوى . قال [ 1 ] ابن مسعود رضي الله عنه : دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أمّنا عائشة رضي الله عنها حين دنا الفراق ، فنظر إلينا فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم ثم قال « مرحبا بكم حيّاكم الله آواكم الله نصركم الله وأوصيكم بتقوى الله وأوصى بكم الله

--> « 1 » مريم : 71 ، 72